كتاب وآراء

أسعار الصرف إذ تكشف أزمة إيران المركّبة

 

تطغى أخبار الانهيار المتتالي في سعر صرف العملة الوطنية الإيرانية (التومان) مقابل الدولار الأميركي (يقترب حثيثاً من خمسة آلاف تومان لكل دولار) على التحليلات المتعلقة بإيران، وتربط هذه التحليلات الأزمة حصرياً بتداعيات العقوبات الاقتصادية التي ما زالت قائمة على إيران وبعدم تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى إيران. وبدوره يؤدي حصر مسببات ما حدث في العقوبات الاقتصادية وحدها إلى تظهير صورة غير كاملة عن أزمة إيران المركبة، وعن المشهدين الاقتصادي ومن ثم السياسي الإيراني الراهن، بحيث تعجز هذه الاستنتاجات التحليلية عن الوصول إلى خلاصات متينة. ولأن الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، فمن المفهوم أن يكون للأزمة تداعيات تتجاوز مجرد أسعار الصرف وانهيارها، وتتخطى السياسات المالية الإيرانية التي لعبت دورها في ظهور الأزمة، لتلامس أيضاً النخبة السياسية الإيرانية، بحيث يُعاد تشكيلها وتُرسم خطوط فاصلة جديدة بين معسكراتها ورموزها السياسية. الجزء الظاهر من الأزمة اقتصادي بامتياز، حيث تعكس أزمة انهيار سعر الصرف تردياً واضحاً في حالة الاقتصاد الإيراني؛ لأن الانهيار المتتالي لسعر الصرف سيتردد صداه في أسعار الأصول العقارية وفي مستويات معيشة الإيرانيين، خصوصا المتقاعدين وذوي الدخل الثابت. الجزء الغاطس من الأزمة سياسي بالضرورة، إذ إن أزمة سعر صرف التومان الإيراني تستبطن أزمة في المشروعية السياسية، وشواهدها تظاهرات الشهور الأخيرة التي اجتاحت المدن والبلدات والقرى الإيرانية في اتساع قل نظيره في تاريخ جمهورية إيران الإسلامية، ومضمونها الأشمل عدم رضا شرائح اجتماعية إيرانية واسعة عن تردي مستوى معيشتها وتبخر مدخراتها وانسداد الآفاق أمامها.
على الأرجح لعبت العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران دوراً في الوصول إلى هذه النتيجة، وبالأخص عملية حجب إيران عن المشاركة في عملية التبادل المصرفي الدولية (سويفت)، الأمر الذي جعل مبادلاتها الدولية صعبة للغاية، وكانت بالتالي أهم عقوبة مالية يمكن توجيهها إلى إيران. ويعرف كل من زار طهران في السنوات الأخيرة صعوبة استخدام بطاقات الدفع البلاستيكية في الفنادق والمحال الإيرانية لشراء السلع والبضائع، مما يضطر السائح معه إلى اصطحاب أوراق نقدية بكميات كبيرة في سفره وترحاله بإيران. ومع وضوح تأثيرات العقوبات الاقتصادية، إلا أن انهيار أسعار الصرف لا يمكن تبريره حصراً بأن هذه العقوبات تؤتي فعلها فحسب، بل يجب وضع سياسات الرئيس الإيراني حسن روحاني أيضاً أمام مسؤولياتها. ساهمت السياسات ذات المنحى النيوليبرالي لحكومة حسن روحاني في الوصول إلى هذه النتيجة أيضاً، في تصادم مدو بين سياسات الانحياز للمستضعفين كشعار سياسي وسياسات الانحياز ضدهم كممارسة اقتصادية. لذلك يستقطب الرئيس الإيراني الاهتمام الآن بتعرضه لضغوط شديدة جراء مسؤوليته عن الأزمة الاقتصادية الراهنة، ومن البديهي أن تحاول أجنحة الحكم في إيران جعله يدفع وحده ثمن الأزمة الاقتصادية مما تبقى له من رصيد سياسي بغرض الحيلولة دون امتداد الأزمة إلى كامل النظام. ونظراً إلى سوابق إيران التاريخية، فمن المرجح أن يعاد الاصطفاف مرة أخرى داخل النظام على قاعدة تثبيت تركيبة أخرى تستطيع حل الأزمة الاقتصادية عبر نفوذها مع أطراف فاعلة في المعادلة الاقتصادية الإيرانية، وهو ما يتطلب وقتاً وهدوءاً نسبياً غير متوافر بسبب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضغوطاته.
ستستمر الاخفاقات الاقتصادية تؤتي فعلها في الداخل الإيراني لفترة منظورة، مما يضغط حكماً على صانع القرار الإيراني في الملفات السياسية والإقليمية. ومع ذلك لا تبدو الضغوط الاقتصادية والإقليمية مؤدية تلقائياً إلى تسليم إيراني في الملفات الإقليمية، إذ إن بنك إيران المركزي ما انفك محتكماً على حوالي سبعين مليار دولار احتياطيات تعصمه من الانهيار في المدى القصير، ولا تزال في جعبة إيران ما لا يستهان به من الأوراق. الكرة ما زالت في الملعب والنتيجة النهائية لم تعلن بعد.

د. مصطفى اللباد

المقالات تعبر عن رأي كتابها وليس بالضرورة عن موقف الجريدة الصباحية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى