كتاب وآراء

ما وراء إدلب ليس كما تظهره القنوات التلفزيونية

 

د. مصطفى اللباد د. مصطفى اللباد 

يبرز الإعلام المرئي العربي والدولي معركة صفرية مرتقبة في إدلب السورية بين روسيا وإيران والنظام السوري من جهة، وتركيا والغرب من خلفها من جهة أخرى. والحال أن حسابات الأطراف الأربعة مختلفة تماماً في العمق على العكس مما تبدو للوهلة الأولى؛ إذ ان روسيا بعدما ثبتت حضورها في سوريا وشرق المتوسط تريد جذب تركيا بعيداً عن الغرب، أكثر بكثير مما تريد تحقيق انتصار عسكري آخر على المعارضة السورية المسلحة. أما إيران فلديها حسابات أخرى، حيث لا تريد خسارة مواقع لمصلحة تركيا في سوريا وتروم إنهاء الصراع هناك لمصلحة النظام، ذلك الذي استثمرت فيه عشرات المليارات من الدولارات خلال العقود الماضية. بالمقابل، تتخوّف تركيا من أن هجوماً برّياً كاسحاً على إدلب سيدفع نحو حدودها ما يقدر بحوالي مليون لاجئ جديد، إضافة إلى الملايين الثلاثة الموجودين الآن على أراضيها، ما سيضغط بدوره على اقتصادها المنهك. وفوق ذلك سيعني سقوط إدلب بيد النظام السوري هزيمة تركية كاملة، خصوصاً مع طفور الرقم الكردي في المعادلات السورية وإمساك الفصائل الكردية المسلحة المعادية لتركيا بمساحة واسعة من الأراضي السورية. كيف يمكن التوفيق بين تضارب المصالح؟
اجتمع بوتين وروحاني وأردوغان في العاصمة الإيرانية (طهران) يوم الجمعة الماضي للتباحث حول الصراع في سوريا، بالتوازي مع قصف القوات الروسية والسورية مواقع للمعارضة السورية المسلحة في مدينة إدلب والمناطق المحيطة بها. على ذلك يبدو أن روسيا الحاضرة للمؤتمر ستستمر في القصف الجوي على إدلب، لكن من دون الدخول في حرب برية تزهق الكثير من الأرواح، انتظاراً لحسم أمرها من تركيا.
تعرف موسكو أن علاقات أنقرة وواشنطن متوتّرة في الفترة الأخيرة لأسباب مختلفة، ولا تريد حشرها في زاوية الاستعانة بالغرب في النزاع السوري، فيفقد بوتين هامش مناورته مع تركيا. هذا الميزان الدقيق بين استغلال التوتر التركي الغربي والتخفيف عن ضائقة تركيا هو ما تحاول موسكو أن تفعله في النزاع الدائر في إدلب حالياً. وفي حال ما شعرت موسكو بأن أنقرة قد أرست خياراتها على طلب الدعم من أميركا وتخلّت عن تفاهماتها السورية مع موسكو، فإن الأخيرة ستعمد إلى القيام بعمليات برية بالفعل حتى إذا خاطرت بمواجهة مع القوات التركية المتمركزة في الشمال السوري.
إدلب لا تمثل قيمة استراتيجية كبرى لدى موسكو، مقارنة بتحويل خصم تاريخي مثل تركيا إلى شريك إقليمي لروسيا بعد قرون من العداوة. وبتقليب النظر في تضارب المصالح الحاد بين الأطراف في إدلب يبدو حل وسط ممكناً مع ذلك، وهو اتفاق الأطراف على اعتبار «هيئة تحرير الشام» والأطراف المرتبطة بتنظيم القاعدة إرهابية واستئصالها بالسلاح، الأمر الذي يرضي كل الأطراف، بما في ذلك تركيا التي تخشى من انتقالهم إلى أراضيها، علاوة على احتفاظ الأخيرة بمواقعها في عفرين، وشمال إدلب القريب من الحدود التركية. الهدف الاستراتيجي الروسي الآن هو منع تركيا من تحسين علاقاتها مجدداً مع أميركا والناتو واستغلال التوتر الحالي في العلاقات التركية ــــ الأميركية إلى أقصى مدى ممكن، والحد الأدنى عدم اضطرار تركيا إلى الاستعانة بهما للضغط على روسيا في المعركة حول إدلب، حتى تظهر روسيا لتركيا أن وجودها في المنطقة لا يضر المصالح التركية. ستدع موسكو وسائل الإعلام المرئية تستغرق في تفصيل الخلافات بين الأطراف الإقليمية والدولية، وفي الإضاءة على إدلب وخرائطها الملوّنة والمعركة فيها وحولها، لكن بعيداً عن الكاميرات وتصريحات المسؤولين وبهدوء تبدو الحقائق والتوازنات بشكل مختلف كثيراً عما تبدو عليه في وسائل الإعلام المرئية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى