رئيس التحرير محمد شهريان
الرئيسية كتاب وآراء تداعي أفكار عن إيران والعرب وأحداث البارحة… عبد الناصر وحافظ الأسد استثناءان نادران

تداعي أفكار عن إيران والعرب وأحداث البارحة… عبد الناصر وحافظ الأسد استثناءان نادران

كتبه كتب في 9 يناير 2020 - 6:21 م
كتاب وآراء مشاركة

محمد صالح الفتيح*

في كتاب بيتر فرانكوبان، طرق الحرير: تاريخ جديد للعالم، Peter Frankopan, The Silk Roads: A New History of the World، المنشور في العام 2015 الكثير من الإعجاب بالحضارة الفارسية وقدرة الفرس على التأقلم والتطور، وذلك عبر التفاعل والاستفادة من حضارات البلاد الأخرى التي اختلطوا بها، ولكن مع الاختيار بعناية ما يناسبهم. وهذا ما سمح لهم بالازدهار والبقاء في موقع الفاعل النشط، وليس موقع المتأثر السلبي. يمكن ذكر الكثير من الأمثلة على هذه البراغماتية والقدرة على التطور، وقد تكون أبرز الأمثلة، وهذا رأيي الشخصي، هي تفاعل الفرس مع صعود الإسلام وقدرتهم على التأثير به، وبتياراته، خصوصاً تشكل العقيدة الشيعية. هذه القدرة النشطة لا تزال موجودة اليوم، وأمثلتها كثيرة وهذا ما يجعل مواجهة إيران أمراً معقداً للغاية، خصوصاً أن الكتل البشرية الأكبر الأقرب لإيران، أي العرب، قد استمرأت دور المتأثر السلبي، ولا تمتلك في أحسن الأحوال سوى رد فعل، قصير النظر، قصير الأمد، ومحدود التأثير، سواء في وجه إيران أو غيرها.

هل تلام إيران على الاستراتيجية التي تتبعها وتحويلها عدداً من بلدان المنطقة إلى مسرح لحروب الوكالة وتوسعة النفوذ الإيراني والسعي لإعادة صياغة تاريخ وجغرافية المنطقة، لكي يكون هناك اتفاق خامنئي-أوباما، أو خامنئي-ترامب، أو بين من سيخلف كل منهما، بدل اتفاق سايكس-بيكو؟ لا. هي لا تلام إطلاقاً. بل بالعكس. لا بد من الاعتراف بنجاح مسعاها وأن استراتيجيتها فعالة. تركيا وروسيا والولايات المتحدة والصين، لا يلامون أيضاً. هذه هي اللعبة الحقيقية بين الأمم. السعي المستمر لتوسعة الحضور وزيادة النفوذ، لأن الاكتفاء بالحياد والانكفاء يعني أن الآخرين سيتقدمون على حسابك، لذلك لا بد من الاستمرار بالتوسع حتى لو كان هذا السعي لزيادة الحضور أكبر من القدرات المادية والبشرية للدولة المعنية. والأمثلة كثيرة. ولعله من المفيد هنا استذكار المثالين العربيين الوحيدين في العصر الحديث، جمال عبد الناصر وحافظ الأسد.

في كل خطابات عبد الناصر، وهي محفوظة ومتداولة بشكل جيد، نجده يتحدث عن المصاعب الاقتصادية التي تواجه مصر، ومدى صعوبة التخطيط الاقتصادي لتوفير الموارد اللازمة لتلبية حاجات الشعب المصري العملاق. ولكن في نفس الوقت، عبد الناصر أرسل جيشه إلى اليمن، دعم الثورة الجزائرية، أرسل بعثات عسكرية مصرية إلى عدد من الدول الأفريقية، أرسل تعزيزات عسكرية إلى سورية وكان على وشك إنزال قوات في لبنان في العام 1958. وهناك عشرات الأمثلة عن دور مصري نشط لا يتناسب مع ما يتوقعه المرء من قدرات مصر الاقتصادية، خصوصاً وسط حرصها على موازنة علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.

حافظ الأسد حقق معجزة حقيقية. كانت سورية قبله دولة ضئيلة، تهددها تركيا متى أرادت، ويطمح ملوك الأردن (المعتاشون على رواتب المخابرات البريطانية والأميركية) لضمها، ويتكبر عليها اللبنانيون ويناكفونها. كانت دولةً ضعيفة و كان للسفير السعودي الفضل الأول في إيصال شكري القوتلي فيها إلى سدة الرئاسة في انتخابات 17 آب 1955 (يمكن مراجعة مذكرات خالد العظم حول هذه الحادثة). في السبعينات والثمانينات، قاتل الجيش السوري في لبنان، الإسرائيليين والأميركيين والفرنسيين، بشكل مباشر وغير مباشر، وضع سورية لأول مرة في وضع من يضغط على تركيا الأطلسية، عبر مساندة المقاتلين الأكراد والأرمن، دعم معارضي الشاه، خامنئي ورجاله، ساند الثوار الإريتريين في القرن الإفريقي، أرسل طيارين إلى ليبيا – كانوا هم من اشتبك مع الأمريكيين في أكثر من مناسبة – احتضن المعارضة الباكستانية، حركة ذو الفقار، التي كانت سياسية ومسلحة، مما دفع الجنرال الباكستاني ضياء الحق، الذي كان يمرغ أنف السوفييت في أفغانستان، لزيارة دمشق بشكل مفاجئ للتفاهم في 1987. حتى برنامج الصواريخ الكوري الشمالي كان للمساهمة السورية دور بتطوره. كيف حصل هذا وسورية بلد من بلدان العالم الثالث يعاني من عجز بالموارد؟ الحسابات المنطقية، 1+1، ترفض مثل هذه النتائج.

عبد الناصر والأسد استثناءان نادران. إن لم يكونا طفرتين. لم، ولن تتكررا. وبينما تتمتع إيران بهذه القدرة النشطة على التأقلم والاستفادة من التجارب، يعيش العرب حالة من البداوة العاطفية، كل العرب وليس فقط عرب شبه الجزيرة. بين إيران والولايات المتحدة، ينقسم العرب إلى معسكرين، معسكر يسير خلف إيران وآخر خلف الولايات المتحدة، وكلٌ يبرر لجمهوره، بأن خياره هو الأفضل، بل هو الخيار الوحيد، لانعدام البدائل. ولكن بالنظر لواقع العراق اليوم نرى أن الهيمنة الإيرانية لا تختلف عن الهيمنة الأميركية لناحية ما تتركه من تأثيرات سلبية على الاقتصاد والمجتمع. يتحدث اليسار العربي عن الناهب الدولي، ويقصد به الولايات المتحدة، فيما يذوب ولهاً بإيران.

ولكن لماذا وصل العراق اليوم إلى مرحلة بات فيها إنشاء أي مصنع، أو إطلاق أي زراعة تحدياً للأمن القومي الإيراني؟ لأن العراق بات محفظة إيران المالية، وسوقاً لتصدير البضائع الرديئة، الصناعية والزراعية، على نحو ما كانت تفعل الدول الاستعمارية الغربية في العقود الأولى للثورة الصناعية مع بلدان العالم الثالث في أسيا وأفريقيا. خلال الأزمة العراقية الحالية، قاطع العراقيون البضائع الإيرانية وحاولوا تصنيع بعض ما يحتاجونه محلياً. شاهدت منذ فترة تقريراً تلفزيونياً فيه الكثير من الفرح بعد أن بدأ أحد المصانع إنتاج بعض أنواع الجبن – نعم جبن وليس يورانيوم مخصب – ولكن في التقرير نفسه يعترف صاحب المصنع بأن بضاعته أعلى كلفة وأقل جودة من المستورد. وذلك ببساطة لأن ثلاثة أشهر لا تكفي لتصحيح تراكمات منهجية على امتداد 16 عاماً.

والآن إلى أين؟ بالنسبة لإيران والولايات المتحدة، فلا يزال صراعهما طويلاً. أما العرب فسيستمر الصراع على أرضهم وعلى حسابهم، هم حطب هذا الصراع، سنة وشيعة، سواء على يد خصومهم أو من يستخدمهم في حروب الوكالة، ولن يكونوا المتنعمين من نتائجه، مهما كان المنتصر. هذه تراكمات لا تزول بين ليلة وضحاها.

مشاركة