التخطيط الأمريكي والتنفيذ التركي.. والغفلة العربية

التخطيط الأمريكي والتنفيذ التركي.. والغفلة العربية
_____________________________
احمد دياب*
المركز المسيطر:
للحصول على رؤية أشمل، قد يكون من المفيد الرجوع إلى كتاب (صدام الحضارات) الذي صدر في منتصف التسعينيات لأحد أكبر مخططي السياسات الأمريكية صامويل هنتنجتون. وقد كان يشغل منصب منسق التخطيط الأمني لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض في نهاية السبعينات أثناء إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. وخلال فترة السبعينيات والثمانيات كان قد عمل مستشارا للعديد من الحكومات مثل البرازيل وجنوب أفريقيا. فبعد أن ينتهي من الترويج لفكرته الرئيسية القائلة بأنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فإن الحروب المستقبلية ستكون كلها ذات صبغة دينية وطائفية، وأن الصراعات الكبرى ستكون بين الحضارات والثقافات المختلفة، وليست كما كانت في القرن العشرين بين الأيديولوجيات المتعارضة. فعلى حد قوله أن "سقوط الشيوعية أزال عدوا مشتركا للغرب والإسلام وترك كلا منهما لكي يصبح الخطر المتصور على الآخر." لا تتوقف رؤية هنتنجتون على ذلك فحسب، بل يرى أنه "حيثما ينظر المرء على امتداد حدود الإسلام، يجد أن المسلمين لهم مشكلات في العيش مع جيرانهم بسلام." وينتهي إلى أن "الميل الإسلامي للقتال والعنف من حقائق القرن العشرين التي لا يستطيع أن ينكرها المسلمون أو غير المسلمين." ويؤكد على أن "الكونفوشيين والبوذيين والهندوس والمسيحيين الغربيين والمسيحيين الأرثوذوكس يجدون صعوبة أقل في التكيف والعيش معا، عما يجده أي منهم في التكيف والعيش مع المسلمين." وهكذا فإنه يرى أن "الإسلام مصدر عدم استقرار لأنه ينقصه وجود مركز مسيطر."
وبالعودة إلى التاريخ يكتشف الرجل "أن نهاية الإمبراطورية العثمانية تركت الإسلام دون دولة مركز. وتم تقسيم أراضيها بين قوى غربية، وعندما انسحبت تلك القوى خلفت وراءها دولا مؤسسة على نموذج غربي، بعيد كل البعد عن تقاليد وتراث الإسلام. وهكذا فإنه على مدى معظم القرن العشرين، لم يكن لدى أية دولة إسلامية قوة كافية ولا ثقافة كافية ولا شرعية دينية للاضطلاع بهذا الدور لكي تصبح مقبولة من الدول الإسلامية والمجتمعات غير الإسلامية كزعيم للحضارة الإسلامية." ويخلص إلى أن "غياب دولة مركز إسلامية عامل مساعد وأساسي على الصراعات الخارجية والداخلية التي تميز الإسلام،… كما أنه مصدر ضعف بالنسبة للإسلام ومصدر تهديد للحضارات الأخرى."
البحث عن زعيم:
و لكي يحل هنتنجتون تلك المشكلة الصعبة، لإعادة الاستقرار للمسلمين وإعادة القوة للإسلام وإيقاف صراعات المسلمين الداخلية، والتصدي لخطر المسلمين على الغرب وتهديدهم للحضارات الأخرى، نجده قد أخذ يبحث عن دولة لتكون "مركزا مسيطرا" ومسئولا عن جميع المسلمين، ويستعرض مدى إمكانية خمس دول إسلامية لتكون إحداها منوطة بذلك الدور القائد، فيبدأ بإندونيسيا، ثم مصر، وإيران وباكستان والسعودية، وبعد استعراض مواطن القوة والضعف لدى تلك الدول، فإنه يستبعدها جميعا لأسباب مختلفة:
"فإندونيسيا بعيده عن المركز العربي، كما أن إسلامها تشكيلة متنوعة من جنوب شرق آسيا، وشعبها وثقافتها خليط من مؤثرات وأصول إسلامية وهندوسية وصينية ومسيحية… أما مصر فهي فقيرة، تعتمد اقتصاديا على الولايات المتحدة التي يتحكم فيها الغرب والدول العربية النفطية… وإيران شيعية، بينما 90% من مسلمي العالم سُنة… كما أن العلاقات بين الفرس والمسلمين – تاريخيا – تتسم بالعداء… وباكستان فقيرة نسبيا وتعاني من انقسامات إثنية وإقليمية خطيرة في الداخل، ولها سجل من عدم الاستقرار السياسي… والسعودية… فعلى الرغم من أنها كانت في السبعينيات والثمانينيات أكبر قوة مؤثرة في العالم الإسلامي… إلا أن عدد سكانها الصغير نسبيا وعدم حصانتها جغرافيا يجعلانها تعتمد على الغرب من أجل أمنها"، وهكذا ينتهي به المطاف إلى الدولة السادسة، وهي تركيا.
وهنا يؤكد هنتنجتون على أن تركيا "لديها التاريخ وعدد السكان والمستوى المتوسط من النمو الاقتصادي والتماسك الوطني والتقاليد العسكرية والكفاءة… لكي تكون دولة مركز (ولعله لم يضف سبب رئيسي آخر لترجيحه تركيا للقيام بهذا الدور، وهو كون تركيا من أكبر حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وثاني أكبر عضو في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة مباشرة من حيث عدد الأفراد العاملين الذي يقدر بحوالي 613000 فرد، واحتياطيين يبلغ عددهم 429000 فرد).
https://en.wikipedia.org/wiki/Member_states_of_NATO
صناعة الزعيم:
يتذكر هنتنجتون بأسى أن "أتاتورك حرم الجمهورية التركية من أن تخلف الإمبراطورية في هذا الدور (يقصد دور الدولة المركزية للمسلمين)، وذلك بسبب تحديدها بكل وضوح كمجتمع علماني. إنها لم تتمكن حتى من أن تكون عضو ميثاق في منظمة المؤتمر الإسلامي بسبب التزامها بالعلمانية في دستورها، وطالما أن تركيا تستمر في تعريف نفسها كدولة علمانية، فلن تكون لها زعامة الإسلام."
وفي محاولة للبحث عن مخرج لتركيا من هذا المأزق يحاول هنتنجتون تقديم المساعدة المخلصة فيقترح على تركيا – في منتصف تسعينات القرن الماضي – الاقتراح التالي: "ماذا لو أعادت تركيا تعريف نفسها؟ عند نقطة ما، يمكن أن تكون تركيا مستعدة للتخلي عن دورها المحبط والمهين كمتسول يستجدي عضوية نادي الغرب، واستئناف دورها التاريخي الأكثر تأثيرا ورُقيا باسم الإسلام، وخصم الغرب." (إلى أي مدى كانت المواقف التي اتخذتها تركيا لاستمالة الشعوب العربية منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم منسجمة مع مقترحات هنتجنتون؟ هل كانت مصادفة؟).
ثم يتنبأ المخطِط الاستراتيجي الأمريكي في وقت كتابته لذلك الكتاب بأنه "من المتصور فعلا أن… تتخلى تركيا عن العلمانية كشيء غريب عن وجودها… وبالتالي تحول نفسها من دولة منبوذة في حضارتها، إلى دولة زعيمة لها… ولكنها لكي تفعل ذلك، لابد من أن تتخلي عن تراث "أتاتورك" وعلى نحو أشمل مما تخلت به روسيا عن تراث "لينين"، كما عليها أيضا أن تجد زعيما بحجم "أتاتورك" يجمع بين الدين والشرعية السياسية ليعيد بناء تركيا وتحويلها من دولة ممزقة إلى دولة مركز."
ما مدى التطابق بين "نبوءة" هنتنجتون في منتصف تسعينيات القرن الماضى، ومدى ما تحقق بالفعل على أرض الواقع بوصول أردوغان وحزبه إلى الحكم في بدايات القرن الحالي؟ وهل كانت نبوءات حقا أم أنها خطط معلنة بكل وضوح؟ الكتاب تم نشره منذ عقود وجميع المهتمين بالشأن السياسي يعرفونه جيدا، ولكن أين القارئ العربي من كل ذلك، وهل عندما يقرأ الإنسان العربي يستوعب ما يقرأه جيدا؟ وهل ينظر إلى ما يقرأ بعقل ناقد، قادر على الربط بين الأحداث والأقوال للخروج برؤية واضحة؟ أم أن القليلون فقط من يقرأون والقليلون جدا من يفهمون ما يقرأونه ونادرون هم من يستطيعون تكوين رأي متماسك فيما يقرأونه بعد أن يفهموه جيدا؟
عموما كل ما تم ذكره قد لا يثير الدهشة فيما عدا شيء واحد، وهو أن أنصار الحركات الإسلامية في العالم العربي من المنبهرين بالنموذج التركي قد فاق مدى تفريطهم في ثوابتهم ما لم يخطر على بال هنتنجتون نفسه، فالرجل في أقصى تصوراته جموحا لم يكن ليتخيل أن ينقاد رجل الشارع العادي في الشعوب الإسلامية وراء تركيا ما لم تترك العلمانية، ولكننا نرى أن تأكيد رئيس وزراء تركيا على علمانية دولته لم يعد يمثل لقادة التيارات الإسلامية وأتباعهم أي مشكلة، فهم مستمرون في الانقياد لتركيا تنفيذا للدور الذي أعده لهم مسبقا هنتنجتون ورفاقه في البيت الأبيض منذ عقود.
تُرى إلى أي مدى تماهت تركيا مع بدايات الألفية الثانية في تنفيذ "أفكار" هنتنجتون، وتماهى الإعلام الغربي والعربي، وتفانى قادة التيارات الإسلامية في العالم العربي في تصوير تركيا كنموذج إسلامي وسطي معتدل ديمقراطي متقدم يجب الاقتداء به واتباعه؟
__________________________
جميع الاستشهادات من كتاب صدام الحضارات / صامويل هنتنجتون / بالترتيب، ص: 322، 416،420، 428، 429، 289، 290، 291، 29