كتاب وآراء

جو رونغجي Zhu Rongji وانتزاع الاحترام

جو رونغجي Zhu Rongji وانتزاع الاحترام

محمد صالح الفتيح*

إذا ما أردت أن تتحدث عن تاريخ صعود الصين وتختار حفنة من الأشخاص لتنسب لهم الفضل في هذا الصعود وفي نقل الشريحة الأكبر من سكان الصين من تحت مستوى الفقر العالمي إلى مستوى الطبقة الوسطى، حتى وفق المعايير الغربية، فستتحدث شئت أم أبيت عن جو رونغجي، رئيس وزراء الصين ما بين 1998 و2003. تولى رونغجي رئاسة الوزراء في فترة كانت الصين تحقق فيها معدلات نمو سنوي تفوق العشرة في المئة، ولكن رونغجي أدرك أن نمو الصين القائم على الصناعة وأعمال المناجم واليد العاملة الرخيصة لن يغير كثيراً مستوى معيشة الصينيين، خصوصاً مع اقتراب عودة هونغ كونغ للصين، حيث كان من المتوقع أن عودة هونغ كونغ ستتسبب بهجرة كبيرة من الصين إليها مما قد يدمر اقتصادها لهذا لا بد من العمل لرفع المستوى المعيشي في الصين وتقليص الفجوة بين الصين وهونغ كونغ، وبين الداخل والساحل الصيني. وهذا لم يكن ممكناً إذا ما كان عماد اقتصادك هو الصناعة الرخيصة.

الحل سهل نظرياً وشبه مستحيل التطبيق عملياً وليس ذي شعبية إطلاقاً. الحل كان خلق فرص عمل خارج القطاع الصناعي ودفع القوة العاملة لترك عملهم في القطاع الصناعي إلى قطاعات أخرى غير معروفة لها استباقاً لتراجع الوظائف في القطاع الصناعي. هذا ما فعله جو رونغجي. ولكن ليس من السهل، بطبيعة الحال، إقناع الناس بترك القطاع الصناعي بكل الهالة التي تحيط به والانتقال نحو قطاع الخدمات. لنتذكر هنا أن ترامب قد فاز في الانتخابات الرئاسية الأميركية مستفيداً من تذمر قطاعات كبيرة من الأميركيين من تراجع الصناعة الأميركية ومن خسارة 3 ملايين عامل أميركي عملهم في الصناعة. ترامب حتى اليوم لا يزال يحاول أن يخلق فرص عمل في القطاع الصناعي في توجه مناقض لأي منطق اقتصادي.

جو رونغجي أدرك ما يجب فعله، وفعله. ألغى جو نصف الوظائف في القطاع الحكومي، وصفى الشركات المفلسة، ودفع 45 مليون عامل صينين للانتقال من الصناعة إلى قطاع الخدمات. هل كان هذا الانتقال بالسهل؟ إطلاقاً. هل حصد جو رونغجي المزيد من الشعبية يومها؟ إطلاقاً. ولكنه اليوم، بعد أكثر من 15 عاماً على تقاعده، ينظر الصينيون لجو رونغجي بالكثير من التبجيل. تقاعد جو في العام 2003 وهو في الرابعة والسبعين من عمره لينهي مسيرة طويلة من الإنجازات، وبالرغم من أنه اليوم يقارب التسعين عاماً إلا أنه لا يزال شخصية مؤثرة في الصين وقد حضر المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني عام 2017. في العام 1990 كان جو محافظاً لشنغهاي وكان يمارس هناك سياساته الإصلاحية الجذرية. يومها سألته الصحافة الأميركية إن كان سيكون “غورباتشوف الصين” فقال “لا، سأكون جو رونغجي الصين”. جو رونغجي اليوم يتمتع باعتراف وامتنان الصينيين، ببساطة لأنه لم يفضل طريق التصفيق السريع.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى