رئيس التحرير محمد شهريان
الرئيسية صوت و صورة خاص بالصباحية: توفيق السيف يحدد أركان الحداثة بالإيمان بالمستقبل، والعلم كدليل للحياة، وإعلاء قيمة الفرد وحقوقه

خاص بالصباحية: توفيق السيف يحدد أركان الحداثة بالإيمان بالمستقبل، والعلم كدليل للحياة، وإعلاء قيمة الفرد وحقوقه

كتبه كتب في 31 مارس 2019 - 7:35 م
صوت و صورة مشاركة
كاتب ومفكر سعودي

الأستاذ الدكتور توفيق السيف مفكر من المملكة العربية السعودية، شعاره “قلم بلا قيد همه تفصيح الأسئلة، يقدم نفسه على مدونته بأنه “باحث في التنمية السياسية. يسعى للمشاركة في تطوير نظرية عن نظام ديمقراطي يستوعب القيم الدينية والثقافة المحلية”. وهو موسوعي متعدد المشارب واللغات والمعارف والثقافات، ومع أنه محسوب على التيار الديني إلا أنه ينظر للحداثة كحاجة دينية على طريق النهضة العربية. له عدد واسع من الكتب (متوفرة على موقع جملون) والأبحاث المنشورة ، ويكتب في صحف عربية واسعة الانتشار، ولديه مدونة خاصة به ينشر عليها كثيرا من مقالاته وأبحاثه التي قد لا تجد متسعا لها في الصحف والمجلات. يشارك في ندوات وحوارات فكرية تلفزيونية. كتابته تميل عموما إلى الهدوء والاتزان والحصافة والانصاف والنزاهة مع الموافق والمخالف. لا يفوتنا أيضا أن نشير إلى تواضعه وخلقه الرفيع في التعامل مع الآخرين. الصباحية كان لها هذا الحوار الممتع والحصيف معه.

توفيق السيف

حوار د. رياض محمد الأخرس

الصباحية: ما هي العقبة الكأداء الأولى أمام النهضة والحداثة العربية، هل هي في التراث أم في السياسة؟
إذا كان القصد من السؤال هو تحديد معوقات النهضة، فإن الجواب واسع جدا. في الحقيقة لايوجد معوق واحد يمكن اعتباره علة كاملة او حتى كافية لتفسير التخلف. وأخشى أن كثرة الحديث في المعوقات، ينتهي غالبا الى تبرئة الذمة ورمي المسؤولية على الغير. بدلا من هذا، دعنا نعيد صياغة السؤال على النحو الآتي: هل النهضة ممكنة، وهل هناك خطوة واحدة يمكن اعتبارها مفتاحا للتغيير، اي تغيير المسار باتجاه النهضة؟
في جواب هذا السؤال ، سأقول أن الخطوة الواحدة التي أعتقد انها مفتاح التغيير هي الحرية. واذا أردنا الخطوة التالية الضرورية فهي سيادة القانون. الحرية ضرورية سواء كان الظرف السياسي والاقتصادي مساعدا او لم يكن.

مفتاح التغيير هو الحرية وسيادة القانون

 

الحداثة كحاجة دينية

الصباحيةتفضلت بأن المفتاح للنهضة هو في “الحرية وسيادة القانون”، قد تكون الحرية مفهومة عموما ومقبولة، ولكن ماذا عن القانون؟ هل هو أي قانون، أم لا بد من مواصفات كحد أدنى لهذا القانون؟ وماذا لو قيل ان جميع بلداننا لديها قوانين ومع ذلك لا نرى حداثة حقيقية ولا نهضة!
احتمل ان معظم الناس يميلون للراي الذي ورد في السؤال ، اي القول بان الحرية مفهومة ومقبولة ، وان الغامض هو القانون ، او ان المشكلة في القانون. يظهر لي ان لدينا اكثر من مشكلة ، واولها في فهم الحرية وقبولها. سوف استشهد برؤية المفكر المعروف “اشعيا برلين” الذي يميز بين الحرية السلبية (يسميها: التحرر من..) والحرية الايجابية (الحرية في..).
والمعنى الاولى (السلبي) يقارب ما نسميه بالحريات الطبيعية ، التي تعلو القانون من حيث الرتبة والمكانة. لا يكون القانون عادلا اذا ادى تطبيقه الى خرق هذه الحريات. الحريات الطبيعية هي الحريات الضرورية لحياة الانسان وكرامته. ومن ضمنها حرية التفكير والتعبير والاعتقاد والتملك والتنقل والعمل وانشاء العائلة. اما المعنى الثاني (الايجابي) فيضم الحريات التي يحصل عليها الانسان بموجب القانون ، اي انها لا تكون متحققة الا في اطار قانون ومدينة ، مثل حرية التنافس على المناصب العامة والمعارضة السياسية الخ.
نفترض طبعا ان يكون القانون عادلا . ومن ابرز علائم عدالته انه يصون الحريات الطبيعية للناس. ان اي قانون يستهدف حرمان الناس من تلك الحقوق الطبيعية ، فانه – في هذه الحدود – باطل. لكن مسالة طاعته او عدمها ، ترتبط بمعايير اخرى ، من بينها على سبيل المثال ضرورة النظام العام. ولذا فليس من الصحيح ، في رايي ، ان يقال – على نحو الاطلاق – انه لا تجب طاعة القانون الباطل ، مع ان العديد من الفلاسفة يميلون الى هذا الرأي.
اود ايضا الاشارة الى ان التدخل في حياة الناس وخرق حرياتهم ، لا تقتصر على الحكومات المتسلطة. فالمجتمعات التقليدية تتدخل احيانا في حياة الافراد على نحو اعتباطي ، وتفرض عليهم انماطا من العيش والسلوك ، او تمنعهم من ان يختاروا انماط عيشهم وسلوكياتهم ، وحتى الافكار التي يرغبون في التعبير عنها. واظن ان ما نواجه في هذا الاطار اسوأ من قمع الحريات الذي تقوم به الحكومات.

 

الصباحية: هل هناك نظرية متكاملة عند الأستاذ توفيق للخروج من واقعنا الحالي نحو حداثة حقيقية؟ وهل لك أن تعطينا خطوطها العريضة؟

لدي مشروع فكري اعمل عليه منذ سنوات. لكني اميل الى الحديث عما يتوفر لنا وما نستطيع ان نفعل، ضمن الظروف القائمة في مجتمعاتنا. بعبارة أخرى فاني افضل الحديث عن حداثة مفهومة، سهلة المنال، وواضحة النتائج. إذا قبلنا بهذا الإطار، سوف اذكر ثلاثة من أهم أركان الحداثة في رايي. وهي تتصف بالصفات المذكورة:
١) الايمان بالمستقبل كموضوع للتفكير والعمل والتقييم (ويرتبط به بالضرورة التحرر من الماضي كمصدر للمعرفة وموضوع للتفكير).
٢) العلم كدليل للحياة ومصدر للقيم والاخلاقيات وتشخيص المصالح (اي التحرر من الاسطورة وفهم الخطوط الفاصلة بين العلم والايديولوجيا).
٣) إعلاء قيمة الفرد وحقوقه ودوره واستقلاله كفاعل عاقل ومسؤول عن خياراته.
في اعتقادي أن الانتقال للحداثة لن يكتمل دون هذه العناصر. وهي في الوقت ذاته ممكنة ضمن ظروفنا الثقافية والإجتماعية.

أركان الحداثة ثلاثة: الإيمان بالمستقبل، والعلم كدليل للحياة، وإعلاء قيمة الفرد وحقوقه

الصباحية: تفضلت ان “أركان التحديث ثلاثة: الإيمان بالمستقبل والعلم كدليل للحياة وإعلاء قيمة الفرد وحقوقه”، وهذه مقولة رائعة ولكن كيف سنصل إليها… الأفراد ومنهم نخب يقولون: الفرد اليوم مسحوق أمام إمكانات الدولة والعولمة، والحكام أنت ترى واقعهم: لا يقرؤون ولا يعملون ولا يتعظون!

الذي يعتقد انه مسحوق ، يقول – بكلام غير مباشر – انه لا يستطيع الانعتاق من ظرفه ، او انه لا يرغب في تحمل كلفة هذا العمل. الايمان بالعلم والذات والمستقبل ، هو نفسه الجسر الذي يحمل الانسان من هامش الحياة الى متنها. من الانفعال الى الفعل والتفاعل. الانسان الذي في وسط الصحراء او الغابة والانسان الذي في السجن ، يجب ان يؤمن بان دوام الحال محال. هذا هو على وجه الدقة مفهوم “الغيب” الذي يتحدث عنه القرآن في أول سورة البقرة. من لا يؤمن بالمستقبل لا يؤمن بالغيب ، ومن لا يؤمن بالغيب لا يؤمن بالله. فهل رأيت مؤمنا بالله ، قانطا من رحمته؟ وما هي رحمة الله ، اليست تغيير الحال؟.
الذين يقولون ان الفرد مسحوق، مدعوون لمطالعة تاريخ البشرية… هل كان الانسان/الفرد في الماضي في حال احسن؟ وهل عالم اليوم – بشكل اجمالي – افضل من عالم الامس ام العكس؟. الذي اريد قوله هو انه مهما كان الانسان ممتحنا بنفسه او بظروفه ، فان اول الطريق الى التغيير هو الايمان بامكانيته ، والايمان بالوسائل التي تقود اليه ، والايمان بان الانسان ذاته جزء من عملية التغيير والتطور. هذا ببساطة ما اسميه الحداثة.

نظرية السلطة

 

الصباحية: هل تعتقد أن الإسلاميين قد فشلوا تماما أو كادوا في تقديم البديل الأفضل بعد أن بقوا طويلا يمنون الجمهور بأن وصولهم سيكون بداية الانطلاق نحو الحريات والدستور والإصلاح والنجاح الاقتصادي و…الخ أم أن الوقت لا يزال مبكرا للحكم عليهم؟

هذا السؤال غير دقيق. الاسلاميون لم يعدوا الشعب بالحرية ولا الدستور. الارضية الفكرية للتيار الاسلامي، والثقافية الشائعة في وسطه لا تدعم فكرة الدولة الحديثة واركانها، مثل مفهوم الشعب والمواطن والحرية والتعددية وفصل السلطات وسيادة القانون وتحديد السلطة، وبقية المباديء والعناصر التي تشكل بمجموعها فكرة الدولة الحديثة.
وفقا لمطالعتي المباشرة في ادبيات التيار الاسلامي وتجربته الفعلية، اعتقد انه خلط بين التعبئة السياسية وادارة الدولة. لقد نجح في المهمة الاولى دون شك. وفشل في الثانية دون شك. ومقصودي أنه نجح أو فشل مقارنة بالمستوى المتوسط للمعايير التي وضعها لنفسه + معايير القياس العلمي في امور محددة مثل التنمية البشرية وادارة الاقتصاد..الخ.
في اعتقادي انه لم يعد ثمة مبرر لقيام حركة سياسية دينية. بل اخشى ان تكرار التجارب الفاشلة ربما ينعكس سلبيا على الموقف من الدين نفسه. افترض ان الخيار الافضل في هذه الحقبة هو تخلي رجال الدين عن العمل السياسي والتركيز على المصالحة المجتمعية، اي اعادة بناء الاجماع الوطني في مستوى القاعدة.

الخيار الافضل الآن هو تخلي رجال الدين عن العمل السياسي، والتركيز على المصالحة المجتمعية، اي اعادة بناء الاجماع الوطني في مستوى القاعدة.

الصباحية: يلاحظ من خلال ما تكتبه أنك تميل الآن إلى مشروع الوطن والمواطنة والحقوق المتساوية وتكافؤ الفرص و..الخ أكثر من المشاريع الإسلامية لكن بالمقابل من يعيش في الغرب يقول إن المسألة أعمق من ذلك بمعنى أنه أيا تكن الدولة ومشروعها فلا بد لها من حامل قوي ثابت أو ما يوصف أحيانا بالدولة العميقة التي تجعل الأمور تعمل بشكل صحيح وتعطي نتائج وثمار.

يتضمن السؤال ثلاثة موضوعات على الاقل ، ارى ان الخلط بينها غير مفيد. لانها في الاساس متباينة. دعنا نبدأ بالجزء المتعلق بما يريده الناس (وانا منهم). فاني اميل بقوة الى الراي الذي اقترحه المفكر الايطالي المعروف نيكولو مكيافيلي، وخلاصته ان الناس يرغبون في الحرية، لانهم يحتاجون الى الامان. الحرية تمنح للناس الامان، وتسمح لهم بان يعيشوا كما يريدون. وهذا ايضا تفسيري للاية المباركة “فليعبدوا رب هذا البيت الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.
النقطة الثانية هي المساواة ، التي تمثل الاساس الضروري لاحترام الانسان كانسان، بغض النظر عن انتمائه الاثني او الجنسي او الثقافي. الحرية والمساواة هي المستوى الاساسي للعيش بكرامة. هذا لا يتعلق بشكل الدولة ولا مستوى الديمقراطية فيها ولا بجزئها العميق او السطحي، بل بقدر ما يتاح للفرد – كفرد – من فرصة كي يعيش كما هو وكما يريد من دون تدخل اعتباطي في حياته من جانب الدولة او من جانب المجتمع.
اعلم ان بعض الناس سيقول حسنا: كيف تحصل على الحرية وانت لم تفهم الدولة العميقة او تفكر فيها؟ اقول انني اعتقد ان ملاك الدولة (سواء كانوا عساكر او احزابا او تجارا او رجال دين او غيرهم) يستطيعون دائما ان يتركوا مساحة للناس كي يحيوا احرارا. اذا لم نستطع اقناع الاقوياء بان تكون الدولة ملكا للناس، فلنحاول اقناعهم بتركنا نعيش كما نريد، ولياخذوا من الدولة ما شاؤوا. نحن نحتاج الى الامان، وهذا ما يهمنا، لا شيء اكثر من هذا. انقل هذه الفكرة عن صديقي المرحوم جار الله عمر، المناضل اليمني المعروف، الذي قال لي مرة “عرضنا على الرئيس ان يكتب على ورقة كل ما يريد، دون تحفظ ، كي نعرف على الاقل ان ما لم يكتب متاح لنا كي نعيش ونعمل فيه”. انا اقول ايضا اننا في الظروف المثالية نطالب بالتزام الحد الاعلى الممكن من معايير الحياة والعمل السياسي والاجتماعي. اما في الظروف غير المثالية فان مطالبتنا تقتصر على الحد الأدنى المعقول، اي الملائم للحياة الانسانية الكريمة.

الصباحية: قلت انه “في الظروف غير المثالية فان مطالبتنا تقتصر على الحد الأدنى المعقول، اي الملائم للحياة الانسانية الكريمة”. ولكن مع غياب حياة سياسية وتمثيلية فاعلة في العالم العربي كيف يمكن إيصال الصوت والضغط على الحكام لتحقيقه؟ واليوم، عالمنا العربي يحكمه العسكر عموما بديكورات مختلفة، والنخب بمن فيهم رجال الدين والساسة هم تبع، ولايجرؤون على ما لايريده الحكام!
لو كان لدينا حياة سياسية وتمثيلية فاعلة ، لما احتجنا الى طرح هذا السؤال ، ولا الاسئلة التي قبله. الحياة السياسية الفاعلة تأتي تعبيرا عن نضج في الظرف ، وتطور في الاحوال العامة. وحين تكون متوفرة ، سيكون لدينا اسئلة من نوع آخر ، مختلف عن هذا السؤال وأخوته.
نحن نطرح ذلك السؤال ، لاننا نريد التفكير في كيفية الخروج من الظرف الراهن ، الذي يتصف بقصور مشهود في الحياة السياسية. لا بد من الاشارة هنا الى اني لست مع المتشائمين الذين ينظرون الى العالم كسبورة سوداء. في العالم العربي والاسلامي ، وعلى امتداد الكرة الارضية ككل ، هناك امثلة على اننا لم نعد في قاع التخلف الذي عرفناه قبل عقود. نحن الان نتحرك الى الامام ، وثمة اجزاء من العالم العربي حققت مكاسب وانجازات في مسار التحول. بعضها ذو طابع سياسي ، وبعضها ذو طابع اقتصادي ، واخرى ذات طابع علمي الخ. هذه من نعم الله التي لا يصح انكارها.

 

 

B9A68643-3ABF-47A1-AB61-4A184299B8FA

الصباحية: كيف ترى مستقبل العالم العربي في ظل المزيد من التفتيت وعجز الدول الوطنية عن القيام بواجباتها وغياب مشاريع حقيقية للحداثة وغياب الاستقرار والمزيد من الارتهان لسياسات تملى من الخارج وعجز النخب والاحزاب والمفكرين و…الخ عن القيام بأي فعل لوضع الامور في نصابها الصحيح؟

رغم الصورة القاتمة التي يعرضها السؤال، الا اني اشعر بقدر من التفاؤل. العالم العربي اليوم لم يعد نفسه الذي عرفناه قبل 2009. نحن نتغير، كما ان العالم يتغير. لا اريد القول انني متفائل جدا، لكني لا اجد مبررا للتشاؤم. اظهار التشاؤم مفيد اذا كنت بصدد تحليل علمي او تخطيط لعمل. اما في غيره فلا فائدة فيه ولا داعي له.
من زاوية اخرى فان تقديري للمستقبل لا يقتصر على الوضع السياسي. هناك جوانب اخرى تساهم بدور مهم في تشكيل صورة المستقبل، من بينها على سبيل المثال رؤية الاجيال الجديدة لنفسها، ومستوى المعرفة والتواصل. ومستوى الحراك الفردي والجمعي على المستوى الاهلي، وكذا نوعية ومستوى التفاعل مع التكنولوجيا، سيما المساهمة في انتاج واعادة انتاج التقنيات الجديدة. فتطور العمل على هذه المسارات كلها يجب ان يلحظ حين نفكر في المستقبل.
بعبارة اخرى فان الوضع ليس ورديا، لكن دعنا نفكر في الممكنات ، وليس فقط في عثرات الماضي.

مشاركة