رئيس التحرير محمد شهريان
الرئيسية مقابلات الشيخ الحسناوي: ما يجري في العراق حالياً هو غسيل دماغ اقصى الثقافة الاصيلة واحل محلها ممارسات لا تمت للدين بصلة، والمشهد في خلاصته هو صراع ثقافي قيمي غير معلن

الشيخ الحسناوي: ما يجري في العراق حالياً هو غسيل دماغ اقصى الثقافة الاصيلة واحل محلها ممارسات لا تمت للدين بصلة، والمشهد في خلاصته هو صراع ثقافي قيمي غير معلن

كتبه كتب في 23 أبريل 2019 - 12:45 م
مقابلات مشاركة
صادق الحسناوي

الشيخ صادق الحسناوي رجل دين عراقي، لكنه يهتم بالثقافة والفكر والمجتمع، وهو يرى أن الوضع الثقافي والفكري والأخلاقي ليس على ما يرام، معتقدا أن ما يجري في العراق حالياً هو غسيل دماغ اقصى الثقافة الاسلامية الاصيلة من عقل المسلم، واحل محلها ممارسات لا تمت للدين بصلة، كطقوس لا اصل لها او افكار مبتدعة او معتقدات هي خليط من خرافات، ومن اديان متعددة، والمشهد في خلاصته -بحسب الحسناوي- هو صراع ثقافي قيمي غير معلن، ساهم فيه ايضاً التحول السياسي، بعد الاحتلال الأمريكي، ولحسن الحظ -بحسبه دائما- أن هناك عودة وعي جزئي باهمية الهوية الوطنية الجامعة، لكنه وعي يحتاج الى تنمية وتكثيف وتاصيل ثقافي -اجتماعي، يتطلب من المؤسسة الدينية في تحفيزه وتشجيعه.


الشيخ صادق الحسناوي في سطور
عضو مكتب السيد الشهيد الصدر

ساهم في التقريب بين التيار الصدري والتيار المدني

شارك في أنشطة وفعاليات التيار الصدري الرافضة للاحتلال الأمريكي في العراق

عمل ضمن اللجنة المشرفة على الاحتجاجات الشعبية الرافضة للمحاصصة الطائفية والحزبية

امام جمعة مسجد الكوفة (مسجد له مكانته التاريخية والدينية في العراق)

 

صادق الحسناوي
صادق الحسناوي

 

حوار: د. رياض محمد الأخرس

انت كقيادي في حراك اجتماعي واسع مهتم بالفكر والاخلاق والقيم كيف تنظر حاليا الى المشهد الثقافي الديني في العراق؟

 

 

شكراً لكم : في الحقيقة، ليس في المشهد الثقافي الديني في العراق مايسُر، وللاسف، وذلك يعود الى طغيان ما هو سياسي على ما هو ديني، وبروز خطاب ديني شعبوي، بعيد عن جوهر الدين، وقيمه، ومعاييره، وهو خطاب ساد في المجتمع جنباً الى جنب مع بروز ظاهرة خطباء الفضائيات التي شهدها العراق وغيره من بلدان العالم العربي والاسلامي، حيث هيمن دعاة وخطباء، لا نصيب لهم من العلم والمعرفة على المشهد الثقافي-الديني، وسوقوا انفسهم بانهم نقلة الافكار والرؤى التي تتبناها المؤسسة الدينية، ولهذا نرى بونا شاسعاً بين ما تتبناه الحوزة العلمية من فكر اصيل، وبين ما نسمعه لدى عامة الناس، حتى يمكن القول، اننا بازاء دين شعبي سائد، واخر سماوي منعزل ومركون جانباً !! فضلاً عن تاثير وسائل الاعلام، والنظرة السلبية للاسلام، بعد العنف والارهاب الذي تبنته تنظيمات ارهابية، عاثت خراباً في بلدان المسلمين، وعقولهم، وكونت لدى الاخر نظرة قاتمة عن الدين، فما يجري في العراق من هذه الناحية هو غسيل دماغ اقصى الثقافة الاسلامية الاصيلة من عقل المسلم، واحل محلها ممارسات لا تمت للدين بصلة، كطقوس لا اصل لها او افكار مبتدعة او معتقدات هي خليط من خرافات، ومن اديان متعددة، والكلام حول هذه المسالة طويل، ومتشعب.

 

ما يجري في العراق هو غسيل دماغ اقصى الثقافة الاسلامية الاصيلة من عقل المسلم، واحل محلها ممارسات لا تمت للدين بصلة، كطقوس لا اصل لها او افكار مبتدعة او معتقدات هي خليط من خرافات، ومن اديان متعددة

 

 

يلاحظ ان الوضع الثقافي الفكري في العراق على العموم يعاني من تراجع في المستوى والاتساع والاهتمامات… كيف تنظرون الى عمق واهمية هذه المخاوف والهواجس؟

بالتاكيد ان المتابع للشان الثقافي والفكري في العراق يلحظ هذا التراجع، والذي يعود في تقديري الى اسباب كثيرة، منها، الصراع بين ثقافة تلفزيونية، فرضت نفسها على اغلب الشباب العراقي، وحلت محل الكتاب، وبين قيم اجتماعية وثقافية راسخة، فالمشهد في خلاصته صراع ثقافي قيمي غير معلن، ساهم فيه ايضاً التحول السياسي الذي فرض هو الاخر تحولاً اجتماعياً تجاهه، حمل معه قيماً ومعايير جديدة، حطمت اغلب القيم التي كانت سائدة، واعادت تشكيلها بما يلائم الوضع الجديد للعراق بعد 2003، وهو وضع لا يسر ايضاً، لانه في الحقيقة، أباد الهوية الثقافية للعراق، وهي في تقديري، لا تقل عن الابادة البشرية، خطراً، ونتائجاً، واثاراً، فما قيمة ثقافة لا معيارية؟

المشهد في خلاصته صراع ثقافي قيمي غير معلن، ساهم فيه ايضاً التحول السياسي

 

 

حصل في العراق تغيرات استراتيجية عظمى، من احتلال امريكي بغيض ثم انسحاب، وعودة مرة أخرى من بوابة صنيعة ما يعرف بداعش، وما رافقها من تعرض السيادة والامن ووحدة العراق الى خطر كبير، ومن ثم القضاء عليها، ولكن ليس هناك أعمال فكرية ثقافية بمستوى هذه الأحداث الجسام… كيف تنظرون الى ذلك؟
ما اعتقده ان مرحلة ما بعد داعش اخطر من داعش نفسها، فقد تركت خلفها طيلة سيطرتها على مساحات واسعة من العراق، اسلوباً عنفياً، وفهماً احادياً للدين، واخضعت اطفالاً بالالاف لغسيل دماغ، تمكنت عبره من زرع افكارها في عقولهم، واقناعهم بانها هي الاسلام الاصيل، وهؤلاء يشكلون خطراً كبيراً على المجتمع، نخشى ظهوره مع بلوغهم مرحلة الشباب، وما تمثله من حيوية ونشاط ذهني وبدني، محمل بافكار تبحث عن موضوع لاسقاطها عليه، وهذا يعني ان الخطر -نظرياً -ما زال قائماً، خاصة مع عدم سعي الحكومة العراقية لمعالجة ضحايا داعش الفكريين، وادخالهم في مدارس خاصة او مصحات نفسية، فضلاً عن تقوقع المثقف العراقي على طائفته وحزبه وجهته، فلم يعد مثقفاً للامة او كاتباً للامة. هناك مثقفون حزبيون، وكتاب لتسويق ايديولوجيا حزبية ضيقة، والامر برمته يحتاج الى دراسات وخطط يضعها علماء نفس وعلماء اجتماع لردم الهوة الواسعة بين العراقيين التي انتجها الاحتلال، وما تلاه من نتائج كارثية، غيرت مفهوم السيادة الوطنية، ومفهوم الهوية الوطنية لدى الفرد العراقي: تراجعت معها الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات ثانوية طائفية وعرقية ومناطقية. كل ذلك مدعاة قلق على مستقبل العراق، ووحدته وهويته الوطنية. غير اننا نلحظ بعض الانتصار للهوية الوطنية بعدما اظهرت نتائج انتخابات 2018 تراجع القوى السياسية ذات الخطاب الطائفي الضيق، مما يعني عودة وعي جزئي باهمية الهوية الوطنية الجامعة، لكنه وعي يحتاج الى تنمية وتكثيف وتاصيل ثقافي -اجتماعي، فضلاً عن دور المؤسسة الدينية في تحفيزه وتشجيعه.

هناك عودة وعي جزئي باهمية الهوية الوطنية الجامعة، لكنه وعي يحتاج الى تنمية وتكثيف وتاصيل ثقافي -اجتماعي، يتطلب من المؤسسة الدينية في تحفيزه وتشجيعه

 

بما ان العراق شانه شان غيره من بلدان العالم فيه هويات فرعية دينية وعرقية ولغوية ومذهبية فهل يعم هذا الوضع غير السار كل تلك الهويات الفرعية أم أنه يخص بالذات الهوية الأكثرية فيه؟

لا، طبعاً هذا التشظي والانشطار عم وشمل الهويات كافة، والتي انقسمت على نفسها ايضاً، وتقسمت الى هويات تمثل اتجاهات سياسية مختلفة، وهذا الانقسام لا يزال هو السبيل للتكاثر السياسي، والنشوء الحزبي، فلم تظهر احزاب او اتجاهات سياسية جديدة الا بالانشقاق من اتجاه سابق، وهو تكاثر يشبه تكاثر البكتريا الى درجة كبيرة، ويحمل نفس خصائص تكاثرها، ولا ينحصر هذا الانقسام في هوية الاكثرية، وهذا يضاعف القلق على الهوية الوطنية الجامعة.

 

أشرتم إلى ظاهرة خطيرة، وهي سيطرة خطباء ومتحدثين لا حظ لهم من الثقافة والفكر والوعي السياسي والوطني على فضاءات الشأن العام الدينية والثقافية … مسؤولية من تحديد نوعية ومستوى المتحدثين في الشأن العام الديني والثقافي؟ وبعبارة ثانية، من الذي يجب عليه تغيير هذا الوضع الشاذ او غير الصحيح على المستوى الوطني؟
في الحقيقة، هذه مشكلة كبرى، اذ ان الخطابة (مهنة حرة )، اقول مهنة، رغم ان الدين دعوة، وليس وظيفة، والعقيدة ليست حرفة للاعتياش، لكن الانفتاح، وتعدد وسائل الاعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي التي استغلت كوسيلة دعاية مجانية، والميل النفسي لدى المتلقي الى كل ما هو سهل يسير وغير متعب فكريا، كلها ساهمت في هيمنة هؤلاء، يضاف الى ذلك ابتعاد الحوزويين الحقيقيين عن وسائل الاعلام، واقتصار ظهورهم على مناسبات محددة او مسائل محددة، والمسؤولية تضامنية بين الجمهور والحوزة العلمية، فما على الجمهور ان يعيه، هو ان اساليب الخطابة القائمة على الرثاء(النعي)، وتقريع السامعين، ونقد السلطة السياسية، وتحريك عاطفة المتلقي، هي مسائل عفا عليها الزمن، وتجاوزها التاريخ، بفعل التطور الحاصل، وظهور مسائل شائكة وعويصة، تمس حياة الناس مباشرة، وترتبط بموقف الدين منها، وعدم وصول الجواب الشافي الى عامة الناس، كلها اوجدت مناخاً ملائماً لصعود المتطفلين على الحوزة والعلم والمعرفة، الى مقامات ليسوا من اهلها، وفي مثل هذه الحال، يجب ان تتخذ الحوزة العلمية تدابير واجراءات صارمة، منها، مثلاً تاسيس معهد للخطابة، يمنح المتخرج منه اجازة، تتيح له ارتقاء المنبر، وتمنع غير الحائز على هذه الاجازة من مخاطبة الجمهور او الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، بصفته خطيباً، لكن المشكلة ان الحوزة عنوان عام، يندرج تحته كل المرجعيات الدينية، وهي اتجاهات تتقاطع في رؤى، وتلتقي في اخرى، وتفتقد جميعاً لنظام مؤسساتي، لهذا يصعب الحد من هذه الظاهرة السلبية على المدى القريب على الاقل.

يجب ان تتخذ الحوزة العلمية تدابير واجراءات صارمة، منها، مثلاً تاسيس معهد للخطابة، يمنح المتخرج منه اجازة، تتيح له ارتقاء المنبر، وتمنع غير الحائز على هذه الاجازة من مخاطبة الجمهور او الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، بصفته خطيباً

كثيرا ما نسمع بمصطلح (الحوزة)، ولكن على أرض الواقع، لا أحد داخل العراق ولا خارجه يعرف بالضبط من هو الذي يمثل الحوزة، وينطق باسمها، وهل يوجد نتاج حوزوي واضح ومحدد في مجال من مجالات الحياة الثقافية والدينية يناسب العصر وقضاياه وتحدياته وفرصه، من أبسط الأمور إلى أعقدها، فضلا عن استيعابه لجميع المجالات الحياتية!

يمثل الحوزة العلماء المجتهدون الذين تتوفر فيهم الفقاهة والاحاطة بمختلف العلوم الحوزوية ذات المدخلية في الاستنباط الفقهي من ادلته الشرعية، وكل مرجع ديني يمثل فهمه للشريعة واجتهاده في مسائلها، والرسالة العملية الفتوائية هي الكاشف عن هذه المتبنيات، اما من ينطق باسم الحوزة العلمية فان الامر منوط بشخص المرجع الديني وجهازه الاداري، وللحوزة وعلمائها نتاجات فكرية وثقافية حول مسائل العصر وثقافاته والتحديات التي تواجهها العقيدة، كمؤلفات السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، والسيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره)، والسيد محمد حسين فضل الله (قدس سره )، وبعض العلماء تنحصر نتاجاتهم في مؤلفات تخصصية، تضم الكثير من الاراء التجديدية، كما هو حال المرجع الديني المعاصر الشيخ الاستاذ محمد اسحاق الفياض (دام ظله )، وغيره من كبار الفقهاء .

 

قلتم ان الوضع بعد 2003 اباد الهوية الثقافية للعراق لا تقل عن الإبادة البشرية وانتج ثقافة لا معيارية لا قيمة لها … حسناً، ماذا فعلت النخب الثقافية والدينية كرد فعل؟ والى متى سيستمر الوضع الحالي؟ وما هو المخرج الفعلي بعيدا عن الامنيات؟

مشكلة الثقافة في العراق لا تختلف عن مشكلتها في العالم العربي في اغلبه، فهي نخبوية، ولا يمكنها مجاراة الثقافة الشفاهية السائدة، لاسباب ذكرت بعضها في الاجابة عما سبق من الاسئلة، والظاهرة الشفاهية فرضت ان يكون اغلب المنتج الثقافي للوسط الحوزوي شفاهي، ولهذا كانت خطب الجمعة على سبيل المثال تحتوي على محاولات لاعادة ترميم الهوية الوطنية، عبر تحليل الخطاب الطائفي والفئوي، وتبيان مخاطره، وقد نجحت الى حد ما في اعادة ترميم الهوية الجامعة، فانخفضت الاصوات الطائفية، ولم تعد تحظى بقبول اجتماعي، بمعنى اخر، انها فقدت حواضنها بعدما تعزز الخطاب بخطوات عملية على ارض الواقع، كاحتضان النازحين من مناطق الصراع في مناطق اخرى تختلف طائفياً عن المناطق الام، والزيارات المتبادلة بين العشائر العراقية التي تتوزع هي الاخرى على مختلف الطوائف، لكن القضاء النهائي على هذا التشرذم مرهون بنهوض العراق من كبوته، وقيام نظام حكم يرتكز على مؤسسات رصينة وقوية ومهنية وغير خاضعة لسلطة حزبية.

 

خطب الجمعة تحتوي على محاولات لاعادة ترميم الهوية الوطنية، عبر تحليل الخطاب الطائفي والفئوي، وتبيان مخاطره، وقد نجحت الى حد ما في اعادة ترميم الهوية الجامعة، فانخفضت الاصوات الطائفية، ولم تعد تحظى بقبول اجتماعي

تفضلتم ان هناك نتاجات فكرية وثقافية حول مسائل العصر وذكرتم اسماء كباقر الصدر ومحمد الصدر، وهؤلاء مضى على مؤلفاتهم عشرات السنين، في حين ان المجتمعات الحية يوميا تظهر فيها عشرات المؤلفات لعشرات المفكرين، ولا يبقى الكتاب مهيمنا على ساحته اكثر من بضع سنوات حتى يظهر مقابله عشرات الكتب النقدية التي تسيطر بضع سنوات أخرى ثم يظهر بعدها كتب أخرى، وهكذا…

بلا شك ان ثمة مائز ثقافي كبير بين شرق العالم العربي الذي يوصف بانه موطن الشعر والخطابة، وبين غربه الذي يوصف بانه موطن الفكر، وهذا المائز، وان لم يكن راسخاً ومتجذراً وغير مطرًد لكنه واقعاً له شواهده التي تدعمه، وفي هذا السياق يتساوى كل العالم العربي بتاخره عن المنتج الثقافي في اوربا، وعن موجاتها الفكرية والفلسفية، ولعل من المناسب على سبيل المثال ان نذكر ان (البنيوية) شهدت رواجاً كبيراً اواخر سبعينيات القرن المنصرم في شرق العالم العربي رغم انحسارها قبل عقود ثلاثة من ذلك التاريخ في اوربا! والمنتج الثقافي الديني يحتفظ بعوامل بقائه لفترات طويلة، ولا ينحصر هذا لدى طائفة معينة من المسلمين، انما يعم كل الطوائف. توفي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (رحمه الله) مطلع سبعينيات القرن المنصرم لكن كتبه خاصة تفسيره (التحرير والتنوير) و(مقاصد الشريعة) مازالت محل اهتمام وتداول، بل مازالت بكراً لدى كثيرين، وطالما ان الامة لم تتجاوز المشكلة الثقافية والفكرية التي الف بسببها الكتاب فان الحاجة له تبقى قائمة، ومثل كتب الشيخ بن عاشور فان الحاجة تبقى قائمة لكتب (الاسس المنطقية للاستقراء ) و(البنك اللاربوي في الاسلام) وغيرهما مما كتبه السيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، فالمشكلة ترتبط بحاجة المجتمع، وليس بقدرة او عدم قدرة المؤسسة الدينية على الانتاج الفكري والثقافي.

 

يتساوى كل العالم العربي بتاخره عن المنتج الثقافي في اوربا، وعن موجاتها الفكرية والفلسفية، والمنتج الثقافي الديني يحتفظ بعوامل بقائه لفترات طويلة، ولا ينحصر هذا لدى طائفة معينة من المسلمين

أشرتم إلى دور مفترض للمؤسسة الدينية لاغتنام فرصة عودة وعي جزئي بأهمية الهوية الوطنية الجامعة وإعادة إنتاج ثقافي وفكري على مستوى العصر والتحديات الوطنية والإقليمية. ماذا فعلت تحديدا المؤسسة الدينية وهل هناك خطوات واشياء ملموسة.

نعم ، هناك خطوات عملية تمثلت بالدعوة الى الانفتاح على مكونات المجتمع كافة وانفتاح العراق على محيطه العربي والاسلامي واتخاذ خطوات عملية جادة لذلك وقد شهدت الفترة الاخيرة تطبيقات هذه الدعوة عملياً سواء في العلاقة بين المكونات العراقية او بين العراق ومحيطه الاقليمي .

كان المتوقع بعد وصول الاسلاميين الى الحكم ان تحصل ثورات حقيقية في الفكر والثقافة والأخلاق والسياسة بحيث تقدم نماذج عالية وتفسح المجال أمام الإبداع بما يبهر الابصار ويبني على الكتابات التأسيسية لابن عاشور وابن نبي والصدر وامثالهم لكن عمليا نجد حالة من الفقر والبؤس الثقافي والفكري وحالة من القحط والجمود… ما جعل كثيرين يكتبون حول بدايات لانحسار موجة الاسلاميين… كيف تقرؤون المستقبل على ضوء الواقع الحالي؟

بالطبع هذه نتيجة مؤسفة تعكس فقر تيارات الاسلام السياسي فكرياً واجترارها للنصوص التاسيسية وعدم قدرتها فكريا على تجاوزها او وضعها في خانة (التقديس)! وهو تقديس غير مبرر لان المستجدات توجب معالجات انية غير قابلة للقياس على ماشابهها او مقاربتها مع مايشبهها من مسائل قبل عقود مضت! والقياس وان كان صالحاً للاستنباط الفقهي لدى من يؤمن به لكنه غير صالح في ميدان الفكر والثقافة وهذا ماجعل التيارات الاسلامية عرضة للنقد وللسخرية من داخل مجتمعها ومن خارجه ومن يقرأ كتاب (تجربة الاسلام السياسي) لـ( اوليفيه روى) سيلمس عمق هذا الفقر الفكري المؤسف فالرجل رغم كونه مسيحيا فرنسيا لكنه بنظرته الفاحصة وتشخيصه البحثي الموضوعي توصل الى ان التيارات الاسلامية تفتقد القدرة على انتاج نصوص تعالج الوضع الراهن وانها بموت مؤسسيها كمطهري والسباعي وباقر الصدر وغيرهم فقدت القدرة على التاصيل وارتضت باجترار افكار سبقها الزمن، وما اخشاه مستقبلاً ان تتحول هذه التيارات بسبب انغلاقها على ذاتها واصرارها على الاجترار، الى ما يشبه نشوء الفرق المنبثقة عن الاسلام بسبب العزلة والتقوقع على الذات كالبابية والبهائية والعلويين والدروز وما شابهها وما يضاعف هذه الهواجس والخشية تفشي الثقافة الصوفية مما يعزز فرص العزلة ويعجل بها! ولي ان استثني تونس من ذلك فان ثقافة المجتمع هناك وانفتاح التيار الاسلامي حال دون عزلة الاسلامين ووقف ايضاً حائلاً دون هيمنتهم.

 

تيارات الاسلام السياسي تعاني فقراً فكرياً واجتراراً للنصوص التاسيسية وعدم قدرتها فكريا على تجاوزها او وضعها في خانة (التقديس)! وهو تقديس غير مبرر لان المستجدات توجب معالجات انية غير قابلة للقياس على ما شابهها او مقاربتها مع ما يشبهها من مسائل قبل عقود مضت

على ذكر الصوفية يلاحظ في العراق وخارجه مؤخرا انتشار واسع جدا لأشخاص ومجموعات ليس لها مكانة أو أسس علمية متينة لا دينيا ولا مذهبيا ولا اكاديميا ومع ذلك تنتشر وتحدث ضجة وضجيجيا فكيف تفسر هذه الظاهرة؟ هل هي بفعل سياسي أمني ام انها إفراز طبيعي للواقع المأزوم أم ماذا؟
التصوف في العراق لم يكن في يوم ما وعياً جمعياً عاماً، وكان منحصراً على جماعات ذات نزعة صوفية منذ وجدت كالرفاعية والكسنزاية وغيرها من الطرق الصوفية التي تمثل امتداداً لطرق اخرى غير عراقية، وفي تقديري فان انتشارها في العراق يعود لاسباب عدة منها، انتشار تعاليم الاديان الاسيوية كالبوذية والكونفوشيوسية والتاوية عبر الترجمات او البرامج التي تبث من مختلف وسائل التواصل، وهذه الاديان بدأت تطرح نفسها كبديل عن الاديان الابراهيمية الثلاث بصفتها ديانات تحتضن العنف وتؤسس عبر نصوصها لارهاب الآخر! غير ان هذا المتبنى منحصر عند قلة غير مؤثرة اجتماعياً، والسبب الاخر ان بعض التعاليم الصوفية ذات المحتوى الوثني كتعالم (اوشو ) مثلاً وجدت لها اتباعا ومريدين لما تتضمنه مبادئها من وعود بالحصول على طاقة روحية عبر ممارسة رياضات روحية محددة ونظام غذائي معين يفرغ الطاقة السلبية ويزود الجسم بطاقة روحية موعودة! والسعي لاجل الحصول على هذه الطاقة اوجد مكانا لهذا الاتجاه بصفته اتجاهاً صوفياً!! وسبب اخر يعود الى محاولة التيارات الدينية ادامة وجودها عبر افكار صوفية باطنية تنحصر معرفة دلالاتها ورمزها لدى قلة فيتخندق اتباعها خلفها وينقادون لها انقياد المريد لشيخه! يقول الدكتور زكي مبارك في كتابه عن التصوف الاسلامي بعدما كان مريداً لشيخ وشيخاً لمريدين! انه ترك الاتجاه الصوفي بعدما قاطعه شيخه اثر حركة عفوية منه فسرها شيخه بانها تنم عن عدم احترام له ! فتسائل في نفسه: لم لا يعلم شيخي انها كانت حركة عفوية لا تنم عن عدم احترام ونحن نعتقد انه يعلم ما في القلوب؟؟؟!!! وبالرغم من مساعيه المتكررة لرأب الصدع آلى شيخه الا مقاطعته وكان السبب في ذلك انه وضع رجلاً على اخرى في حضرة شيخه!!! وهناك سبب اخر مهم وخطير في الوقت نفسه واعتقد انه فعل سياسي يدفع نحو العزلة وعدم التفكير في المشاركة السياسية لان المتصوف ينشغل بتهذيب نفسه وهذا لا يحصل بغير العزلة والابتعاد عن المجتمع، ويصح ايضا ما تفضلت به من كونها افراز لواقع مازوم يعالج بالهروب منه، واغلب هذه الاتجاهات يتبناها جهلة يتبعهم من هو اجهل اما الاتجاهات الصوفية الرصينة فاربابها اندر من الكبريت الاحمر.

هنا لم أقصد الصوفية لوحدهم وانما كمثال او من باب الشيء بالشيء يذكر حيث ان جنوب ووسط العراق تظهر فيه بين الحين والآخر شخصيات ودعوات عجيبة غريبة وأحيانا فتنوية كما تظهر مضامين خرافية في الطقوس الخاصة ببعض المناسبات الدينية ثم تؤسس هذه الخرافات لما يشبه الاعتقاد كبعض اللطميات والاشعار والسلوكيات في الاربعين وغيرها فمن يتصدى لها ليعرف الناس ما هو عقيدة مقبولة في الوسط العلمي مما هو ليس بعقيدة وقد يكون مفتعلا بقصد الفتنة
من المؤسف ان العراق ساحة مفتوحة امام الجميع ولم يقف الامر عند حدود انتهاك سيادته واستقلاله وتعدى ذلك ليصل الى التلاعب بالدين واستحداث افكار لاتمت للدين بصلة ولا للشعائر باساس انتشرت كثيراً لكنها بدات تخبو وتنحسر بفعل تدخل الحوزة واصدارها ما يبين انحراف هذه الدعوات عن الدين الحنيف والحوزة بعلمائها هي المسؤولة عن دفع الشبهات والتصدي للانحراف وبيان العقيدة الصحيحة وقد كان لها رايها وقولها في هذه المسالة

عطفا على السؤال السابق يلاحظ أيضا انتشار مقالات خرافاتية ليس لها أي مستند ورواجها ولاحقا اعتبارها من الاصول الراسخة التي لا تحتتاج الى برهان ومل ذلك يجري باسم الدين او المذهب وهذا يكون له تداعيات خطيرة على المجتمع والتعايش والمستقبل فكيف يمكن النظر الى هذه الظاهرة ومعالجتها عراقيا؟
نعم هذه فعلاً ظاهرة متفشية وتداعياتها تنعكس سلباً على العقيدة وقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الفيس بوك في شيوعها لعدم خضوع المنشورات لضوابط ومعايير علمية تحدد وتقيد الناشر وفقها وكما تعلمون فان التواصل عبر الانترنت وحرية النشر مسالة جديدة في العراق ولكل جديد حلاوته كما يقال ولان اغلب مايستطيع المتصفحون نشره يتعلق بالدين بحكم الثقافة السماعية والحكواتية السائدة في المجتمع وقد تاخذ هذه المنشورات اصداء لايام لكنها تنحسر بعدها ويتلاشى الاهتمام بها بعدما تظهر افاتها وعدم صحتها، غير ان ذلك لا يعني عدم تركها اثار سلبية اجتماعية فالمتصفح لمواقع الفيس بوك في العراق يلاحظ بسهولة ويسر ان العدوانية وعدم احترام الاخر وغياب الرادع الاخلاقي هي الظاهرة الرائجة والتي تشيعها جيوش الكترونية باسماء مستعارة ومن خارج العراق وهدفها كما هو واضح تفتيت النسيج الاجتماعي العراقي واشاعة الفتنة وتقديم المجتمع العراقي لنفسه وللاخرين بصفته مجتمعا متوحشا ومتخلفا وهو مايكذبه الواقع ويدحضه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مشاركة