رئيس التحرير محمد شهريان
الرئيسية كتاب وآراء عن الليرة السورية والدولار… تحليل أسباب الانخفاض الحالي

عن الليرة السورية والدولار… تحليل أسباب الانخفاض الحالي

كتبه كتب في 9 سبتمبر 2019 - 10:29 ص
كتاب وآراء مشاركة
كاتب وباحث سوري

محمد صالح فتيح*

ما يحصل من تراجع في سعر الليرة السوريّة ليس بالأمر المفاجئ، أو غير المنطقي، أو الاسثنائي، بالعكس هو أمرٌ متوقعٌ تماماً، وهو النتيجة الطبيعية لتظافر مجموعة واسعة من العوامل، ومنها:

أولاً، حركة الاستيراد الشرهة والتي لا تشهد أي تراجع، والتي تتناقض مع ظروف بلد يعيش حالة حرب. أكثر التقديرات تواضعاً تقول أنّ حجم ما تستورده سورية سنوياً هو بحدود 4.5 مليار دولار (2017)، وأكثر التقديرات تفاؤلاً حول حجم الصادرات السورية تقول أنّها أقل من 700 مليون دولار (2017)، إلا أنّ هذا الرقم مبالغ فيه لأسباب سأوضحها في الفقرة الرابعة. كما أنّ حجم الواردات الفعلي قد يكون ضعف أو ضعفي هذه الأرقام بسبب حجم التجارة غير الرسمي والذي يتم عبر لبنان وتركيا، والذي يشمل الإلكترونيات وما يوصف بالبضائع الكمالية، التي تشمل في كثير من الأحيان مواد أساسية ولكن استيرادها غير مدعوم. فعلى سبيل المثال، استيراد 100 ألف جهاز موبايل سنوياً يستنزف 50 إلى 100 مليون دولار (قبل الحرب، كان عدد الأجهزة المستوردة سنوياً بحدود 400 ألف)، علماً أن عدد مستخدمي الخليوي اليوم يزيد على 10 ملايين. وبالطبع، لا يقصد هنا تعليق أزمة الاستيراد على هذا البند وحده، فهو قد يكون أصغر بنود الواردات، ولكنه محاولة لتوضيح الفكرة بمثال بسيط. ومع عدم قدرة المصرف المركزي على تمويل كامل الواردات، والاكتفاء بتمويل الواردات الأساسية (المواد الغذائية والطبية)، من الطبيعي أن يتم تغطية الواردات عبر سحب العملات الأجنبية من الأسواق المحلية والمجاورة مما يخلق زيادة في الطلب على العرض. باختصار، الطلب على الدولار يبلغ ما يصل إلى 10 مليار دولار على الأقل، في حين أن الصادرات لا تغطي حتى 5% من هذا الرقم.

ثانياً، كان الطلب على الدولار والعملات الأجنبية يتم تغطيته بشكل رئيسي عبر التحويلات المالية للسوريين في الخارج، وهذه سمة تميز الاقتصاد السوري منذ عقود. إلا أن حركة التحويلات المالية من السوريين في الخارج قد تراجعت بشكل ملحوظ. بالرغم من ازدياد عدد السوريين المقيمين في أوروبا، إلا ان القسم الأكبر من التحويلات المالية الخارجية يأتي من دول الخليج حيث تقيم الشريحة الأكبر من السوريين منذ سنوات طويلة والتي تمتلك فائض مالي أكبر من السوريين اللاجئين في أوروبا. التغييرات الاقتصادية في دول الخليج، وخصوصاً في السعودية، والانتقال لفرض رسوم وضرائب لم تكن معروفة في السابق، أدت إلى زيادة كلفة المعيشة هناك، وبالتالي تخفيض حجم التحويلات المالية بشكل كبير إلى الخارج، بما في ذلك سورية. وهذا التيار تصاعدي وسيزداد حدة بشكل واضح في العامين أو الثلاثة المقبلة. على سبيل المثال، انخفضت تحويلات المقيمين الأجانب في السعودية في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام بمعدل يتراوح بين 10 و25% في كل شهر بالمقارنة مع العام الماضي، الذي كان بدوره أقل من العام السابق.

ثالثاً، الاستنزاف التدريجي للاقتصاد السوري الذي يمكن تشبيهه بالمريض الذي تتراجع مؤشراته الحيوية بشكل تدريجي، والتي لا تبدو واضحة للعيان إلا بعد أن تصبح حادة للغاية. الحديث في السنوات الماضية عن عودة القطاع الصناعي في حلب لم يكن يستند إلى أي أسس واقعية. فلكي تكون الصناعة تنافسية، وقادرة على خلق صادرات، يجب أن تكون ذات جودة عالية، وكلفة منخفضة. التقدم الصناعي الكبير في الدول الأسيوية، وحتى في بعض الدول الأفريقية، خلال السنوات القليلة الماضية، بات يوفر منتجات عالية الجودة وأكثر تفوقاً على ما يمكن للمصانع السورية أن تقدمه، وبكلفة أقل بكثير. أما كلفة التصنيع في سورية فستبقى مرتفعة وذلك بسبب ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء، فضلاً عن عدم استقرار توفرها، وكذلك صعوبة تأمين المواد الأولية المستوردة اللازمة للكثير من الصناعات.

رابعاً، عدم وجود أي مشاريع استثمار خارجية تضخ أموالاً في الداخل السوري. فالمشاريع الروسية والإيرانية في مجال الفوسفات وحقول الغاز والموانئ وغيرها إنما تعتمد على نقل خبرات وتحديث محدود ونقل فوري لإدارة وتشغيل هذه المنشآت من الأيدي السورية إلى الروسية والإيرانية، مما يعني عدم دخول أموال أجنبية مباشرة إلى السوق السوري. كما أنه من البديهي أن انتقال جزء كبير من صادرات الفوسفات، على سبيل المثال، من الأيدي السورية إلى الروسية والإيرانية، يعني أن عائدات تصدير الفوسفات بالعملات الأجنبية لن تدخل المصارف أو الأسواق السورية. لهذا فإن حجم الصادرات الذي يتم تداوله، حوالي 700 مليون دولار، والذي يشمل الفوسفات، لا يعود بكامله ليدخل السوق السورية، مما يزيد من حجم الهوة بين الصادرات والواردات.

أخيراً، من غير الدقيق وصف تراجع قيمة الليرة السورية بأنه تراجع مفاجئ أو صاروخي؛ ومن المفهوم أن القصد من القول أن هذا الانخفاض صاروخي هو الإشارة ضمناً إلى أن الانخفاض مؤقت وسيعقبه عودة سريعة. إلا أن تتبع مسار هبوط سعر الليرة السورية يظهر أن هذا السعر قد انخفض بشكل منهجي ثابت خلال فترة غير قصيرة، ولعل وصول سعر الصرف إلى مستويات غير مسبوقة هو ما يلفت النظر بعيداً عن كون هذا الهبوط منهجي منذ فترة طويلة. فقد انخفض سعر الليرة من حوالي 500 ليرة في شهر تشرين الثاني 2018 إلى حوالي 675 اليوم (أي انخفض 35% خلال عشرة أشهر). بالمقابل، انخفض سعر الليرة التركية من أقل من 3 ليرات إلى أكثر من 6 ليرات أمام الدولار ما بين شهر تشرين الأول 2017 وآب 2018 (أي انخفض بنسبة 88% خلال عشرة أشهر أيضاً)، وهو لا يزال اليوم عند مستوى 5.9 ليرة أمام الدولار. وفي الوقت الحالي، يهبط سعر الليرة السورية بشكل منتظم بمعدل 3 ليرات تقريباً في اليوم الواحد، أي حوالي 0.5%. مثل هذا الهبوط المنتظم للسعر لا يدل على تدخلات خارجية أو أحداث طارئة بقدر ما يدل على تراجع منتظم ومطرد في المؤشرات الحيوية للاقتصاد السوري.

وفي الختام أود أن أذكر نقطة إضافية ربما لم تكن واضحة في المنشور. الشعور بأن سعر الليرة بدأ يخرج عن السيطرة يخلق بدوره طلباً إضافياً على الدولار والعملات الأجنبية والذهب في محاولة لتخفيض الخسائر ورمي الليرة السورية، كما يقود من يتلقى تحويلات من الخارج إلى الاحتفاظ بها بالعملات الأجنبية بدل ضخها في السوق. هذا بدوره، وبشكل بديهي، يزيد من حجم الأزمة. ولكنه يفسر فقط جزء صغير من المشكلة. لا من بد فهم سبب وصول الدولار إلى مستوى 600 ليرة بدل الانشغال بسبب وصوله إلى 700. ومثل هذا الانشغال تكرر عشرات المرات في السابق، عندما انشغل الناس بسبب وصول الدولار إلى 600 من دون فهم سبب وصوله إلى 500 أو انشغالهم بوصوله إلى مستوى 500 وعدم فهم سبب وصوله إلى 400 قبل ذلك.

أشرت لهذا في الفقرة الثانية عندما ذكرت أن الاقتصاد السوري بات أشبه بالمريض الذي تتراجع مؤشراته الحيوية. لا بد من فهم سبب تراجع صحة هذا المريض تدريجياً عبر فترة طويلة وليس التركيز على ما حصل خلال الساعات أو الأيام الأخيرة.

كما أنه ليس من الدقيق تماماً أن التراجع قد حصل في الشهر الأخير، فسعر الدولار بقي عند مستوى 600 ليرة أو أعلى بقليل هذا الصيف. والموجة الجديدة من الانخفاض بدأت من الشهر السابع تقريباً وبالمجمل انخفض السعر من حوالي 600 إلى 675 اليوم أي حوالي 12.5% خلال شهرين تقريباً. وقبل ذلك انخفض من حوالي 540 في شهر نيسان إلى 600 في شهر حزيران أي أيضاً 11% خلال شهرين. ولو عدت للفترات السابقة فستجد نفس نسبة الانخفاض وهي بالمتوسط 10 إلى 15 كل شهرين إلى ثلاثة.


العنصر الإضافي الآن لا علاقة له إطلاقاً بما ذكرت ولكنه إدراك شريحة واسعة من السوريين لمدى الانخفاض وأن التوقعات السابقة بأن ما يحصل مؤقت وأن اتجاه الانحدار سيتغير سريعاً كانت غير واقعية، هذا بدوره أدى إلى خلق زيادة على الدولار لأسباب لا علاقة لها بالاستيراد، وإنما السعي لتقليل الخسائر وحماية المدخرات. ولكن الأسباب الجوهرية تبقى هي الأساس. والآن يقترب الشتاء ومن المتوقع زيادة الطلب على الدولار لتغطية مستوردات المحروقات، التي باتت تستورد بشكل حر منذ العام الماضي، بمعنى أنها لا تغطى من المصرف المركزي.

مشاركة