“المَوسوعَةُ الإمْلائيّةُ” في الميزانِ

"المَوسوعَةُ الإمْلائيّةُ" في الميزانِ
أمجد عيد*
لاقتِ "الموسوعةُ الإملائيّةُ" للأستاذِ الخيّاطِ اهتماما ً ورعايةً واستقبالا ً واسعا ً على المستويينِ الرّسميِّ والشّعبيِّ في الكويت، ووزّعت مجّانًا برعايةٍ حكوميّةٍ، وقد طُبعَ منها سبعمائة ألفِ كتابٍ في مطابعِ القبسِ، ووثّقَ مركزُ "الإبداعِ اللّغوي" ذلك كلَّه، كما انتشرت أصداؤُه في وسائلِ الإعلامِ.
ومع ذلك لا بدَّ من ذكرِ بعضِ الملاحظاتِ النقديّةِ، والانتقاداتُ البنّاءةُ – كما هو معلومٌ للجميعِ- لا تعيبُ العملَ العلميَّ، ولا تقلّلُ من شأنِهِ.
بدايةً، لا بدَّ من القولِ: إنَّ مركزَ "الإبداعِ اللّغويِّ" للأستاذِ الخيّاطِ يحظى بسمعةٍ طيّبةٍ بينَ أهلِ الكويتِ لجهوده بتأسيسِ الطُّلابِ في مهاراتِ اللّغةِ العربيّةِ، وللأستاذِ أيضا مؤلّفاتٌ عدّةٌ في مهاراتِ اللّغةِ العربيّةِ، تدرّسُ في مركزِهِ.
و "الموسوعةُ الإملائيّةُ" مكونةٌ من سبعةِ أجزاءٍ، يقدّرُ لها العنايةُ في ضبطِ الكلماتِ، واستخدامِ صيغِ المؤنّثِ والمذكّرِ في الأسئلةِ بطريقةٍ جميلةٍ، وجعلِ كلّ جزءٍ بلونٍ مختلفٍ برسوماتٍ جميلةٍ وطبعةٍ فاخرةٍ.
وتتناولُ الموسوعةُ العناوينَ الآتيةَ: الهمزةَ بأشكالِها، اللّامَ الشّمسيّةَ والقمريّةَ، الشّدّةَ، السّكونَ، التّاءَ المربوطةَ والمفتوحةَ، التّنوينَ، الألفَ اللّينة َ، واوَ الجماعةِ.
وقد تضَمّنتْ الأجزاءُ بعضَ الأبوابِ غيرِ المذكورةِ في العناوينِ، نحوَ: حروفٍ تنطقُ ولا تكتبُ، وحروفٍ تكتب ولا تنطقُ، وغيرِها، لكنّها قدْ أغفلتْ غيرَ قليلٍ من مهاراتِ الإملاءِ، نحوَ: الفصلِ والوصلِ، ودخولِ أدواتِ الاستفهامِ على الكلماتِ، والنّفيِ، وحذفِ الحروفِ من الكلماتِ، والأخطاءِ الإملائيّةِ الّتي تكونُ في كتابةِ الكلمةِ من خلالِ زيادةِ حرفٍ أو نقصانِه أو تبديلِ حرفٍ بحرفٍ، وغيرِها مع إغفالِ علاماتِ التّرقيمِ لسببٍ أو آخرَ.
وفي مقدمةِ "الموسوعةِ الإملائيّةِ" ذكرٌ للفئةِ المستهدفةِ في الإهداءِ: هم الآباءُ والأمهاتُ والمعلمون والمعلماتُ والطّلابُ والطّالباتُ، ولكنّها قد خلتْ بالوقتِ نفسِه من أيِّ إرشاداتٍ تساعدُ الآباءَ على تعليمِ أبنائِهم، بالإضافةِ لذلك لم يلاحظْ تحديدٌ للمهاراتِ الضّروريّةِ الّتي تؤهّلُهم للقيامِ بهذا الدّورِ المهمِّ.
ولطالَما كانتِ المبالغةُ والإغراقُ والغلوُّ ضروبًا في علمِ البديعِ عندَ العربِ، وقد وَجدَتْ سبيلَها أحيانًا إلى هذا العملِ بدءًا بالاسمِ حيثُ هو "الموسوعة…."
يقولُ ابنُ فارسٍ في مقاييسِ اللّغةِ: "الواوُ والسّينُ والعينُ كلمةٌ تدلُّ على خلافِ الضِّيقِ والعُسرِ"، والموسوعةُ في معجمِ الوسيطِ: "كتابٌ يجمعُ معلوماتٍ في كلِّ ميادينِ المعرفة ِأو في ميدانٍ منها".
ولا نجدُ ممّنْ كتبَ في الإملاءِ من الباحثينَ والعلماءِ مرورًا بالمحقّقينَ الكبارِ مَنْ أطلقَ على عملٍ في الإملاءِ موسوعةً، لما لهذهِ الكلمةِ من حجمٍ كبيرٍ، وما الاعتراضُ على إطلاقِ اسمِ الموسوعةِ على هذه الأجزاءِ السبعِ إلّا من هذا البابِ، ونجدُ ذلك جليًّا في تعريفِ المؤلَّفِ للموسوعةِ الإملائيّةِ في مقدمةِ الكتابِ: بأنّها منهجٌ متكاملٌ دونَ أدنى بيانٍ لها.
ويقولُ المؤلِّفُ في تغريدةٍ لهُ على برنامجِ التّواصلِ الاجتماعيِّ الشّهيرِ "تويتر" إنّ: هذا الحدثِ يحدثُ لأوّلِ مرَّةٍ في تاريخِ الكويتِ، أو في أيِّ دولةٍ أخرى".
كلُّ ذلك يدفعُ المهتمينَ بهذا الشّأن للتّساؤلِ حولَ الحجمِ الواقعيِّ لهذا العملِ؟
ولا نتفاجَاُ من حجمِ الإقبالِ على "الموسوعةِ الإملائيّة" بقدرِ ما جاءَ في افتتاحياتِ بعضِ الجرائدِ الواسعةِ الانتشارِ على مستوى الكويتِ والمنطقةِ، فقد عنونَتْ جريدةُ الجريدةِ مقالاً لها بـ" القضاء على التعثر الدّراسي"، وجاء في عنوانٍ عريضٍ للقبس "موسوعةُ الإملاءِ ستقضي على الدَروسِ الخصوصيّة".
فهل تستطيعُ موسوعةٌ، مهما كانَ حجمُها ووزنُها علميًّا ومنهجيًّا، أنْ تقومَ بهذا العبْءِ كلِّهِ؛ أو أنّ العناوينَ العريضةَ للصّحفِ هي أقربُ للمناشدةِ المستمرّةِ من أولياءِ الأمورِ بسببِ ظاهرةٍ عامّةٍ، لاتخفى على أحدٍ.
فالضّعفُ العامُّ بين الطّلبةِ في اللّغةِ العربيّةِ جليٌّ، وهي لغةُ القرآنِ والدّينِ ولغةُ الهويّةِ والثّقافةِ، في ظلّ عجزِ مناهجِ اللّغةِ العربيّةِ الحاليّةِ، والتّخبطِ في خططِها عن رأبِ هذا الصّدعِ، من بابِ أن "الغريقَ يتعلقُ بقشّة".
ويدفعُ الفضولُ لمعرفةِ قيمةِ الموسوعةِ إلى التّعرّفِ على منهجِ المؤلّفِ في تدريسِ الإملاءِ في الموسوعةِ، وفي الوقتِ نفسِه هنالك إغفالٌ لأنواعِ الإملاءِ فيها، والمنهجِ المتّبعِ فيها سوى إشارةٍ غيرِ واضحةِ المعالمِ،"المنهج المتكامل"، يتجنبُها أهلُ الميدانِ لما بها من عمومٍ.
وتزدادُ الرّغبةُ في الجزءِ الأوّلِ بمعرفةِ بابي السّكون والشّدّةِ أهما من أبوابِ الإملاء؟ وما المنهجُ المتّبعُ في ترتيبِ كتبِ الموسوعةِ؟ بالإضافة إلى عددِ الصفحاتِ في كلّ جزءٍ والهدفِ من التّدريباتِ الكثيرةِ المكرّرةِ لكلِّ مهارةٍ.
ولا يغفلُ أيُّ معلّمٍ للّغةِ العربيّةِ أو متخصّصٍ موضوعاتِ قواعدِ الإملاءِ فيها، وتفاوتَها في الأهميّة، وأهمَّ مشكلاتِ الإملاءِ العربيِّ بذكرِها وإحصائِها نحوَ:
1 – اختلافِ المكتوبِ عن المنطوقِ.
2-التعدّدِ في رسمِ شكلِ بعضِ الحروفِ، نحوَ: الهمزةِ والألفِ اللّينةِ.
3-أحكامِ الوصلِ والفصلِ والحذفِ في بعضِ الكلماتِ أو التّراكيبِ.
4-حذفِ حروفِ العلّةِ.
5-الخلطِ بينِ الحروفِ المتقاربةِ في المخارجِ أو الصّفاتِ.
فلعلَّ المشكلةَ الأساسَ في وضعِ منهجٍ علميٍّ رصينٍ مبنيًّ وفقَ الحاجةِ مع الفئةِ المستهدفةِ، والأهدافِ المرجوّةِ والمقاييسِ لتحقيقِ هذه ِالأهدافِ.
ولو تناولْنا الجزءَ الأوّلَ من الموسوعةِ ذاتِ الأجزاءِ السّبعةِ "المدّ – السّكون – الشّدّة"، لوجدنا أنّ المؤلّفَ في الصّفحةِ الأولى تحتَ عنوانِ "المدِّ بالألفِ"، قد بدأَ بالتّدريباتِ والأمثلةِ دونَ أدنى توضيحٍ للمدّ أو لحروفِ المدِّ، والفرقِ بينَ الصّوتِ القصيرِ والطّويلِ والحركةِ والحرفِ.
ومن الملاحظِ أيضًا استغراقٌ بالتّدريباتِ المتكرّرةِ إلى نهايةِ المهارةِ، فما الهدفُ من كثرةِ الصّفحاتِ؟
وكذلك منَ الملاحظِ وجودُ بعضِ التّدريباتِ في هذا الجزءِ يطلبُ فيها المؤلّفُ قراءةَ كلماتٍ، فيها مدٌّ وتنوينٌ، بالرّغمِ منْ أنَّ مهارةَ التّنوينِ قد وضعَها المؤلّفُ في الجزءِ الرّابعِ، أليسَ من الأولى أن يكونَ هنالك تدرّجٌ في المهاراتِ؟ بدءًا بالمدودِ فالمقطعِ السّاكنِ فالتّنوينِ فالشّدّةِ ثمّ (ال) الشّمسيّةِ والقمريّةِ، وبعدها تأتي المهاراتُ الأخرى؛ لتكملَ بناءَ قاعدةٍ سليمةٍ للمتعلّمِ في الإملاء.
ولو نظرْنا إلى صفحةِ مهارةِ السّكون من الجزءِ الأوّلِ، لما وجدْنا تعريفًا للسّكونِ سوى تدريباتٍ للمقطعِ السّاكنِ وتدريباتٍ لمهارةِ الشّدّةِ بعدَ ذلك، دونَ تبسيطٍ أو إرشاداتٍ لتعليمِها، لاسيّما الطّلبةِ ذوي القدراتِ الذّهنيّةِ الجيّدةِ، فكيف بطلبةِ "صعوبات التّعلمِ" أو "متلازمةِ داون"؟ حيثُ يُلاحظُ دعوى متكرّرةٌ من المؤلّفِ في حسابِه على "تويتر" بتوزيعِها عليهم مجانًا، وهل الغايةُ التّوزيعُ؟ قبل أن تكونَ صالحةً لهم أصلًا.
ومن ناحيةٍ أخرى، ألا يعيبُ مُؤَلَّفًا في تعليمِ اللّغةِ العربيّةِ أن يُخطئَ في النّحوِ في صيغةِ السّؤالِ، في أكثرِ من موردٍ في الجزءِ الأوّلِ، وهذا موجودٌ في الصّفحةِ السّادسةَ عشرةَ بقوله: " ابحثْ عن حروفِ ومقاطعِ أسماءِ الصّور التّالية؟"، والصّحيحُ أن نقولَ ابحثْ عن الحروفِ والمقاطعِ لكي نتجنّبَ عطفَ المضافِ المنقطعِ عن الإضافةِ.
وفي الصّفحةِ الثّامنةِ والخمسين من الجزءِ نفسِهِ في الخلاصةِ حيثُ يقولُ:" لا ينطقُ الحرفُ السّاكنُ وحيدًا عندِ قراءَته، ولكنْ ينطقُ.." والصّحيحُ لكنْ ينطقُ بحذفِ الواوِ، لأنّ "لكنْ" حرفُ عطفٍ بالأصلِ للاستدراكِ.
وأيضًا من الملاحظِ في الجزءِ الثّاني ذي العنوانِ "ال الشّمسيّة والقمريّة" تدريبًا في الصّفحةِ الثّانية عشرةَ حيثُ يطلبُ إدخالَ "ال القمريّة" على كلماتٍ منوّنةٍ، بالرّغمِ من أنّ مهارةَ التّنوينِ ستأتي في الجزءِ الرّابعِ لاحقًا، ولم تمرَّ على المتعلّم وفقَ خطّةَ بناءِ المهاراتِ حسبَ ترتيبِ المؤلّفِ، وهذا الجزءُ مكوّنٌ من أرْبعٍ وستينَ صفحةً، فهلْ تستحقُّ هذهِ المهارةِ كتابًا كاملًا؟
وهنالك أيضًا إغفالٌ لمهاراتٍ إملائيّةٍ مرتبطةٍ بمهارةِ هذا الجزءِ، نحوَ: دخولِ بعضِ الأدواتِ من مثلِ: حروفِ الاستفهامِ على الكلماتِ المبدوءةِ بـ" ال" وغيرِ ذلك.
كذلك يُلاحظُ في الموسوعةِ كتابٌ كاملٌ مؤلّفٌ من ثمانٍ وثمانين صفحةً عن الهمزةِ المتوسّطةِ والمتطرّفةِ، ملؤُهُ تدريباتٌ مكرَّرةٌ، فأيُّ إسهابٍ في ذلك؟، وفي أوّل صفحةٍ من هذا الكتابِ من جملةِ الأخطاءِ غيرِ المقبولةِ قولُه: إن السّكونَ أضعفُ الحركاتِ! وهل السّكونُ من الحركاتِ؟
وأمّا مهارةُ التّنوين، فقد أُفرِدَ لها كتابٌ كاملٌ: هو الجزءُ الرّابعُ، وبالطّريقة نفسها حيثُ التّدريباتُ المسهبةُ، وقد وقعَ المؤلّفُ في خطأ رسمِ تنوينِ الفتحِ على ألفِ التنويِنِ في كلِّ تدريباتِ تنوينِ الفتحِ في الكتابِ، والصّوابُ رسمُه على الحرفِ الأخير نحو:" يدًا "، وليس" يداً "، فهذه الألفُ ليستْ جزءًا من بنيةِ الكلمةِ، ولا تظهرُ عليها العلاماتُ مطلقًا، ولو سَلّمنا بأنْ نرسمَ تنوينَ النّصبِ فوقَ الألفِ، فَبِمَ نضبطُ بالشّكلِ الحرفَ الأخيرَ من الكلمةِ؟
وأخيرًا أؤكد على أن النّقد فيهِ منَ العبْءِ ما يجعلُ صاحبَه يفكرُ بكلِّ الاحتمالاتِ الّتي سيسلُكُها بكلماتِهِ، أو ستسْلُكُها كلماتُه، وهذا ما يجعلُ حروفَ الكاتبِ في كثيرٍ منَ الأحيانِ لا يبرحُ الخفاءُ عنها، وهذا طريقٌ وعرٌ مسلكُهُ، لا يُعطى سالِكُهُ من الزّاد ما يبلغُهُ بظلِّ دعواتِ اللّونِ الواحدِ السببِ الرّئيس بالوضعِ الحالي لمشكلةِ المناهجِ التعليميّةِ، وإهمالِ ما سوى ذلك من جهودٍ ودراساتٍ ومؤلّفاتٍ، والتّلفّتِ إلى الأهدافِ الأساسيّةِ في إيجادِ حلولٍ حقيقيةٍ لجسمِ العمليّةِ التّعليميّةِ.
*معلّم في وزارة التّربية ومؤلّف في مناهج الأطفال.
![]()