تونس

مأزق الحكومة في تونس.. النهضة تناور والرئيس يهدد بحل البرلمان

تعيش تونس مأزقا سياسيا غير مسبوق ليس فقط بسبب تعطل تشكيل الحكومة منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وإنما بسبب التضارب في المواقف والتأويلات حول الدستور بين الرئيس قيس سعيد وحركة النهضة صاحبة الأغلبية في البرلمان.
وهذا مثال عن التضارب بين الرئيس المنتخب بنحو ثلاثة ملايين صوت وحركة النهضة الفائزة بالانتخابات التشريعية الماضية (54 مقعدا من جملة 217)، فبينما يسعى الرئيس إلى الإشراف على تشكيل الحكومة تحاول حركة النهضة سحب البساط منه، بحسب مراقبين.
وكان رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي قد وجه نقدا لاذعا إلى الرئيس، معتبرا أنه جانبه الصواب بتعيينه إلياس الفخفاخ رئيسا مكلفا لتشكيل الحكومة إثر فشل مرشح حركة النهضة رئيس الحكومة المكلف السابق الحبيب الجملي بنيل ثقة البرلمان الشهر الماضي.
 الفخفاخ أمام مأزق سياسي ودستوري (الجزيرة)
الفخفاخ أمام مأزق سياسي ودستوري (الجزيرة)

اقتراح وانتقادات
لكن يبدو أن الرئيس التونسي -وهو أستاذ في القانون الدستوري- متمسك بحقه في التحكم بتشكيل الحكومة طبقا للفصل 89 من الدستور، موجها بدوره نقدا مبطنا إلى حركة النهضة بسبب إعلانها عن رفض منح الثقة لحكومة الفخفاخ مع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية.

وبينما لوّح رئيس كتلة حركة النهضة نور الدين البحيري بإمكانية رفض منح الثقة لحكومة الفخفاخ ولجوء حزبه لتفعيل الفصل 97 من الدستور وسحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال برئاسة يوسف الشاهد لاستعادة زمام المبادرة، خرج سعيد عن صمته معلنا رفضه لذلك.

وقال سعيد عقب لقائه، اليوم الاثنين، رئيس الحكومة المكلف إلياس الفخفاخ إن البحث عن سحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال برئاسة يوسف الشاهد يعد عملا خارجا عن نطاق الدستور، نظرا لأنها حكومة منبثقة عن برلمان سابق وهي ليست حكومة مسؤولة أمام البرلمان الحالي.

أحكام وتأويلات
والأمر ذاته أكده خلال لقائه اليوم أيضا رئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، معتبرا أن نص الدستور واضح بهذا الخصوص، وأن الفصل 89 هو الذي يجب أن يطبق في ما يتعلق بتشكيل الحكومة.

وشدد على وجوب الاحتكام للدستور وحده وتجنب “التأويلات والفتاوى غير البريئة، وغير القائمة على أسس علمية”، ونبّه لخطورة “تجاوز الدستور باسم الدستور”.

تلويح بحل البرلمان
وقال سعيد إنه إذا لم تحصل الحكومة التي سيتم تقديمها إلى البرلمان على الثقة فسيقع “حل البرلمان واللجوء إلى الشعب، فهو صاحب السيادة يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء وله الكلمة الفصل”، داعيا الجميع إلى تحمل المسؤولية في هذه المرحلة التاريخية الحاسمة المليئة بالتحديات.

وقبل ذلك وجه سعيد انتقادات مبطنة لحركة النهضة بسبب إعلانها عن سحب وزرائها من الحكومة المقترحة من قبل إلياس الفخفاخ وتوجهها للإطاحة بحكومته بالبرلمان، قائلا إن “تونس فوق جميع الاعتبارات الظرفية والصفقات التي يتم إبرامها في الظلام”.

وقال عقب لقائه الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية) ورئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة أرباب الأعمال)، إن “المناورة تحت عباءة الدستور لا يمكن أن تمر”.

روح الدستور
لكن رئيس كتلة حركة النهضة نور الدين البحيري يقول للجزيرة نت، إن حزبه لم يخرج عن روح الدستور وإن مكتبه التنفيذي يدرس كل الخيارات بما فيها تفعيل الفصل 97 من الدستور لسحب الثقة من حكومة الشاهد وتكليف رئيس حكومة جديد تفاديا للفراغ الحكومي.

وقال إن حزبه يتحرك في كنف احترام الدستور وإنه بصدد التشاور مع خبراء القانون الدستوري حول إمكانية تفعيل الفصل 97، مشيرا إلى أن هذا الإجراء يجنب البقاء في فراغ حكومي كما يجنب حل البرلمان وإعادة الانتخابات التشريعية، في حال عدم منح الثقة لحكومة الفخفاخ.

ولفت البحيري إلى أن حزبه لم يرفض التشكيلة الوزارية التي قدمها إلياس الفخفاخ، السبت الماضي، لأسباب شخصية وإنما لدواع موضوعية تتعلق بتمسك حركة النهضة بمبدأ تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة اللذين رفض الفخفاخ إشراكهما.

 إمكانية حلّ البرلمان واردة إذا لم تحصل حكومة الفخفاخ على الثقة (مواقع التواصل)
إمكانية حلّ البرلمان واردة إذا لم تحصل حكومة الفخفاخ على الثقة (مواقع التواصل)

تعسّف وضمانات
بالمقابل، يقول القيادي في حزب التيار الديمقراطي عربي الجلاصي، إن إعلان حركة النهضة توجهها لتفعيل الفصل 97 من الدستور هو “تعسف وتلاعب بالدستور”، مؤكدا أنه في حال لم تتحصل حكومة الفخفاخ على ثقة البرلمان يتم دستوريا حل البرلمان وتنظيم انتخابات مبكرة.

وأضاف للجزيرة نت أن الكرة حاليا أصبحت في ملعب حركة النهضة للتصويت لمصلحة الحكومة أو رفضها، معبرا عن استغرابه من رفضها المشاركة في الحكومة رغم تمثيلها بعديد الوزراء تحت ذريعة عدم إشراك حزب قلب تونس الذي بنت حملتها الانتخابية على إقصائه.

ومن وجهة نظر أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك، فإن الرئيس سعيد هو الوحيد الضامن لاحترام الدستور في ظل غياب المحكمة الدستورية، مؤكدا أن المسار الدستوري لتشكيل الحكومة لا يمكن أن يخرج من مظلة الفصل 89 أو ما يعرف بحكومة الرئيس.

تضارب المواقف
من جانبه، يقول الإعلامي والمحلل السياسي محمد بوعود للجزيرة نت إنه لم يعد بإمكان حركة النهضة الدعوة لتفعيل الفصل 97 من الدستور وسحب الثقة من حكومة الشاهد وتكليف رئيس حكومة جديد عقب خروج الرئيس التونسي عن صمته ورفضه لما اعتبره عملا خارج الدستور.

ويرجع بوعود هذا التضارب في المواقف بين الرئيس التونسي قيس سعيد وحركة النهضة إلى وجود “نزاع شرعيات” بين الرئيس الذي حاز على ملايين الأصوات وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الذي يسعى -حسب قوله- إلى التحكم باللعبة السياسية خاصة بعد ترؤسه البرلمان التونسي.

وقال إن هذا الصراع الخفي بين سعيد والغنوشي ظهر للعلن أخيرا عقب سلسلة من الانتقادات التي وجهها الغنوشي إلى الرئيس بسبب عدم المشاركة في مؤتمر برلين حول ليبيا، فضلا عن تكليف إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة رغم أن الأخير لا يحظى بأغلبية مريحة داخل البرلمان.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى