صوت و صورة

عن طلال حيدر وعاصي الحلاني… الجزء الثاني والاخير

فيصل جلول*


كان مديح طلال حيدر للراحل باسل الاسد وللسلطات السورية في لبنان ضربا من ضروب ال” التقية السياسية ” التي اعتمدها كثيرون من نجوم السياسة والاقتصاد والثقافة في لبنان في الفترة الواقعة بين 1976 و2005 ..لم يكن مديحه مدفوعا باعتقاد عروبي وحدوي بين لبنان وسوريا تماما كما لم يكن مديح السياسيين اللبنانيين للسلطات السورية او الاصح لممثليها هو فعل ايمان بالمصير المشترك ل “بلد واحد” تديره دولتان بحسب الرئيس الراحل حافظ الاسد. سيتضح هذا الامر تماما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فقد تجمع “المادحون” السابقون في تيار 14 اذار الدي لعب دورا قبيحا في الحرب السورية.
ينتمي “المادحون” الى ثقافة سياسية لا تقيدها مبادئ وافكار تحررية ولا اخلاص لقضايا كبرى وانما لمجموعة من الافكار والمواقف والمصالح التي تنتظم في علاقات التبعية بين لبنان والقوى الغربية الاساسية. هذه التبعية التي لا ينظر اليها بوصفها التحاق وخضوع لمتبوع وانما بوصفها طريقا للتقدم والتحضر والتنوير وهنا نستثني العملاء الذين يشغلون وظائف لا تحتاج الى مبرر قيمي.
طلال حيدر وعاصي الحلاني واخرين لا مكان لهم في فضاء المقاومة لو ارادوا الانتماء اليه او الانحياز. هنا اتكلم عن انحياز قيمي ومهني كما هي حالهما في الضفة الاخرى. وصعوبة الانحياز ناجمة عن ان ثقافة المقاومة مؤطره عقيديا وبالتالي الانتماء العضوي اليها يحتاج الى تأهيل عقيدي ونمط حياة جدير بهذا الانتماء. لكن الاطار العقيدي الذي يحكم هذه الثقافة منفتح ومتسامح ومدرك لتنوع البيئة الحاضنة وبالتالي يستوعب مثقفين يساريين او محايدين قرروا الانحياز لهذا السبب او ذاك لتيار المقاومة.
هذا الانحياز يظل قاصرا على الموقف ولا تتوفر له شروط للانتماء المهني او المعيشي ذلك ان سوق العمل النخبوية محكومة بالرساميل الخليجية ولعل النافذة الوحيدة المتاحة لمثقفي المقاومة ” المودرن ” ان جاز الوصف تتمثل في منابر المقاومة المحدودة والتي يحكمها وعي من نوع .. الذين معنا هم معنا بطبيعتهم والذين ليسوا معنا يمكن الرهان على انحياز بعضهم او على الاقل يمكن ان يكونوا اصواتا دالة على تنوع التعبير لدى المقاومة وانفتاحها ورهانها على المستقبل الحر. ولا باس من ذكر مثالين في هذا السياق فقد فشلت في التوسط لكاتب كبير لكي يكتب في منبر من منابر المقاومة براتب شهري يعادل راتب سائق سيارة في المنبر نفسه. وفشلت أيضا في التوسط لكاتب اخر عوقب بالطرد من منابر تابعة بسبب مواقفه المقاومة وبراتب اقل من راتب سائق تاكسي. والسبب في ذلك ان منابر المقاومة محكومة بالقسم الاكبر منها بالشروط العقيدية وهذا مفهوم او بالاصطفاف وهذا ايضا مفهوم في مجابهة شبه يومية لكن الاخطر من ذلك كله ان هذه المنابر محدودة والذين خلقوها لم يفعلوا ذلك ضمن استراتيجية جديدة لبناء ثقافة المقاومة الحرة المناهضة للتبعية وارساء وعي جديد نهضوي وتحرري وانما لأسباب تكتيكية تقتصر على الدعم والتوضيح وتحقيق قدر من التوازن مع منابر التعبير المعادية. ولعل هذا ما يفسر طرق عمل منابر المقاومة التي تسير على خطى المنابر المعادية مع فارق اساسي في الموقف من المقاومة. تبقى اشارة الى بعض ردود الفعل من ادارة منابر المقاومة وهي ليست كلها رفيعة المستوى، لكن المشكلة لا تكمن هنا وانما في غياب استراتيجية واضحة لبناء ثقافة المقاومة والتحرر في مجابهة ثقافة التبعية والاستتباع.
نعم لا يحتاج المثقف المقاوم الى راتب ووظيفة لتأييد المقاومة هذا صحيح. لكن كم مثقف ينطبق عليه هذا الشرط خاصة اذا ما طرد من سوق العمل المعادية. اعتقد ان عدد هؤلاء المثقفين لا يبلغ المئات ولا حتى العشرات وربما يقاس بالآحاد..
ليس لهذه المطالعة دور في توفير الاعذار للمثقفين المناهضين للمقاومة. ان دور هذه المطالعة السريعة محصور في التشديد على غياب استراتيجية ثقافية جديرة بالعمل العسكري المقاوم وتكون امتدادا جديرا به.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى